صناعة المرأة المثالية في زمن إنستغرام:جميعنا نعرف المرأة المثالية، رأينا مئات الصور لها على إنستغرام: جميلة، رشيقة، مشرقة، وتعيش في إجازة دائمة. لا تعمل 12 ساعة يوميًا مثلنا، ولا تقلق بشأن وزنها الزائد أو التجاعيد حول عينيها. يبدو وكأن الزمن توقف عندها، فهي لا تشيخ، ولا تعاني من الفقر أو الإرهاق أو التعب. إنها ليست مثلنا، ونحن نعلم ذلك، لكن السؤال هو: لماذا ما زلنا نعجب بها؟ لماذا لا نستطيع نسيانها؟
جيا تولينتينو، “ذا غارديان” (The Guardian) — لطالما كانت “المرأة المثالية” نوعاً من الوجه العام. أراهن أن بإمكانكم تخيل تلك النسخة منها التي تتصدر المشهد اليوم. عمرها غير محدد، لكنها مصممة على أن تبدو شابة. شعرها ناعم ولامع، ولها وجه نظيف وغير مؤذٍ لشخص يؤمن بأنه خُلق ليُشاهَد. غالباً ما ترونها وهي تستمتع بأشياء مترفة؛ على شواطئ نائية، أو تحت نجوم الصحراء، أو خلف طاولة نُسقت بعناية، محاطة بمقتنيات جميلة وأصدقاء يجيدون التصوير. إن استعراض الذات في أوقات الفراغ هو إما جوهر عملها أو جزء ضروري منه؛ وفي هذا الصدد، لا يُعد سلوكها غير مألوف كثيراً؛ فبالنسبة للكثيرين اليوم، وخاصة النساء، يُعتبر تغليف وبث صورتهن مهارة تتحول فوراً إلى دخل. إنها تمتلك علامة تجارية شخصية (Personal Brand)، وربما حبيباً أو زوجاً: رجل يمثل التجسيد المادي لجمهورها غير المرئي والدائم، ومؤكداً لمكانتها بوصفها موضوعاً مثيراً للاهتمام، وشيئاً قيماً، وعرضاً مبهراً ومصنوعاً ذاتياً لجمهور ثابت.
هل يمكنك رؤية هذه المرأة الآن؟ إنها تشبه منشوراً على إنستغرام، أي امرأة عادية تعيد إنتاج دروس السوق، وبهذه الطريقة تتطور المرأة العادية لتصبح المرأة المثالية. تتطلب هذه العملية أقصى درجات الطاعة الممكنة من المرأة المعنية، وكذلك -في الحالة المثالية- شغفها الحقيقي. هذه المرأة مهتمة بصدق بكل ما يطلبه السوق منها (المظهر الجيد، والإيحاء بأن شبابها سيستمر إلى أجل غير مسمى، ومهارات متقدمة في تقديم ومراقبة الذات). وهي مهتمة بنفس القدر بكل ما يعرضه السوق عليها؛ بالأدوات التي تسمح لها بأن تبدو أكثر جاذبية لتكون، من خلال ذلك، أكثر قابلية للعرض، ولتتمكن من استخراج أقصى قيمة ممكنة من موقعها الخاص.
بعبارة أخرى، المرأة المثالية في حالة دائمة من “التحسين الأمثل” (Optimization). إنها تستفيد من التكنولوجيا في آن واحد؛ في طريقة بث صورتها، وفي التحسين المهووس لتلك الصورة ذاتها. يحكي مظهر شعرها عن إنفاق باهظ. تنفق المرأة المثالية الكثير من المال على العناية ببشرتها، وهي عملية اكتسبت بعداً مقدساً يشبه الطقوس الروحية، واتخذت طابع العمومية المبتذلة لضبط المنبه من أجل الاستيقاظ صباحاً.
ما كان متاحاً سابقاً عبر مساحيق التجميل، بات الآن مستقراً مباشرة في وجهها: وجنتان أو شفتان بارزتان، أو خطوط أزيل أثرها، ورموش يتم شدها مرة كل أربعة أسابيع على يد شخص محترف يجيد التعامل مع الرموش الفردية والصمغ. يصدق هذا الأمر على جسدها أيضاً، الذي لم يعد بحاجة إلى المعدات التقليدية مثل الملابس والمشدات الفعالة؛ فقد تم تشكيله مسبقاً عبر الرياضة، مما يضمن وجود القليل جداً مما يجب إخفاؤه أو إعادة تنسيقه.
كل شيء يتعلق بهذه المرأة خاضع لرقابة استباقية، لدرجة أنها تنجح في الإيحاء بالعفوية، والأهم من ذلك، الإثارة المرافقة لها؛ فهي التي عملت لتخليص نفسها من العقبات المصطنعة في حياتها، تشعر غالباً أنها مرتاحة البال حقاً. يمكن للمرأة المثالية أن تكون أي شيء تريده، طالما أنها تستطيع التصرف بناءً على الاعتقاد بأن تكميل ذاتها وجعل علاقتها مع العالم فعّالة يمكن أن يكون عملاً ومتعة في آن واحد، أو بعبارة أخرى، “نمط حياة” (Lifestyle). تدخل المرأة المثالية إلى فئة العصائر باهظة الثمن، والصفوف الرياضية الخاصة، وروتين العناية بالبشرة، والعطلات، وتبقى هناك بسعادة.
رأي أغلب النساء حول أنفسهن هو أنهن مفكرات مستقلات. حتى المجلات المخصصة لهؤلاء النساء “اللامعات” ترفض الآن بنظرة تشكيكية السرديات الهرمية حول كيف يجب أن تكون أشكالنا، ومن يجب أن نتزوج ومتى، أو كيف يجب أن نعيش. لكن “الطحالب النفسية” للمرأة المثالية تطورت لتبقى على قيد الحياة في نظام بيئي يتظاهر بمقاومتها. إذا بدأت النساء بمقاومة نوع معين من الجماليات، مثل الاستخدام المفرط للفوتوشوب (Photoshop)، فإن تلك الجماليات تتغير ببساطة لتناسبنا؛ إن قوة الصورة المثالية لا تزول حقاً أبداً. أصبح من السهل جداً الآن إثارة شكوك النساء تجاه الإعلانات أو صور أغلفة المجلات التي ينتجها محترفون. لكن التشكيك في الصور التي ينتجها أقراننا أصعب، أما دفعنا للتشكيك في الصور التي ننتجها نحن عن أنفسنا، للمتعة والمنفعة، فهو أمر شبه مستحيل؛ ومع ذلك، في زمن يُفهم فيه الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع باعتباره كفاءة مهنية، فإن الكثير منا يُعتبرن، شئن أم أبين، نوعاً من المتخصصات أيضاً.

المرأة المثالية المعاصرة من النوع الذي يتعايش بسهولة مع “النسوية التسويقية” (Market Feminism) وتيارها السائد. يتمحور تنظيم هذا النوع من النسوية حول الجاذبية والمظهر المثير لأكبر عدد ممكن من الناس؛ وقد أولت هذه النسوية قيمة هائلة للنجاح الفردي للنساء. لم تقضِ النسوية على استبداد المرأة المثالية، بل بدلاً من ذلك، رسخته وجعلته أكثر تعقيداً. ربما تكون المرأة العادية هذه الأيام أكثر راحة نفسياً من أي وقت مضى إذا ما أفنت حياتها وهي تخطو نحو السراب المثالي لصورتها عن ذاتها. يمكنها أن تصدق -وهي عقلانية بما يكفي وتحظى بتشجيع شامل من النسوية- أنها هي نفسها مهندسة ذلك النوع من القوة المجيدة، والدائمة، والمقرونة غالباً بالمتعة، التي تمارسها هذه الصورة على وقتها، ومالها، وقراراتها، ونفسها، وروحها.
إن تعلُّم كيفية “أن تصبحي أفضل” في الأنوثة هو مشروع مثير للسخرية وغالباً غير أخلاقي؛ وهو مجموعة فرعية من مشروع أكبر ومثير للسخرية وغير أخلاقي بنفس القدر، ألا وهو تعلُّم أن تصبح أفضل في الحياة في ظل رأسمالية متسارعة. في رحلات البحث هذه، غالباً ما يتضح أن الملذات هي في النهاية أفخاخ، وأن كل مطلب عام سيتفاقم إلى الأبد. والرضا، في آلية عمل هذا النظام، يظل حتماً بعيد المنال.
ولكن كلما ساءت الأمور، زاد إجبار الإنسان على “التحسين الأمثل” (Optimization). أفكر في هذا الموضوع كلما قمت بعمل ينطوي على شعور بالكفاءة والمنفعة الشخصية؛ أعمال مثل الذهاب إلى صف “البار” (Barre) (1) أو تناول الغداء في سلسلة مطاعم للوجبات الجاهزة (2) مخصصة للسلطة، مثل “سويت غرين” (Sweetgreen)، الذي يشبه محطة للتزود بالوقود أكثر منه مكاناً لتناول الطعام. أنا آكل بسرعة منفرة في معظم الأحيان -قال صديقي مرة إنني أمضغ الطعام كما لو أن أحداً سينتزعه من أمامي- وفي “سويت غرين” آكل أسرع لأن (كما هو الحال مع أشياء كثيرة في الحياة) ثانية واحدة من الانتظار يمكن أن تجعلك ترتعب من هذا الهيكل. يُعد “سويت غرين” إعجازاً في التحسين الأمثل: يمكنه تسيير طابور مكون من 40 شخصاً يشبه أفعى خفضت رأسها وهي ترسل الرسائل النصية وتستمع للموسيقى، في 10 دقائق، بينما يطلب الزبائن، واحداً تلو الآخر، سلطة “سيزر بالكرنب” (Kale Caesar) مع الدجاج دون أن ينظر أحدهم للآخر، أنظر إلى صف الأشخاص ذوي البشرة الداكنة الذين يرتدون قبعات شبكية ويضيفون الدجاج إلى سلطات سيزر الكرنب. وكأن رسالتهم في الحياة هي هذه. ورسالة زبائنهم هي إرسال رسائل بريد إلكتروني لمدة 16 ساعة يومياً ثم أخذ استراحة قصيرة، فقط لابتلاع وعاء من المواد المغذية التي من المفترض أن تحميهم من نمط الحياة المهنية الحضرية غير الصحي.
إن الطابع الطقوسي والمنظم لهذه العملية (وحقيقة أن “سويت غرين” جيد حقاً)، يخفي تلك الخدعة المضغوطة والدائرية التي تميز نوع الحياة الذي يتناسب معها. يحتاج الزبون المثالي للسلطة إلى تناول سلطته التي تبلغ تكلفتها 12 دولاراً في 10 دقائق، لأنه يحتاج إلى الوقت الإضافي للحفاظ على إنتاجيته في الوظيفة التي تسمح له في المقام الأول بتناول سلطات بـ 12 دولاراً بانتظام. إنه يشعر بحاجة جسدية لهذه السلطة ذات الـ 12 دولاراً، لأنها الطريقة الأضمن والأبسط لبناء سد من الفيتامينات ضد الاختلالات الوظيفية العامة الملازمة للوظيفة التي تتطلب تناول السلطة ويوفر راتبُها ثمنها. وكما كتب مات بوكانان في موقع “ذا أول” (The Awl) عام 2015، فقد تمت هندسة السلطة بطريقة “تحرر يدي الشخص وعينيه من مهمة استهلاك المواد المغذية لكي يتسنى لتركيزه الثمين أن يتجه نحو شاشة صغيرة. لأن تلك الشاشة تتطلب هذا التركيز أكثر لكي يتمكن الفرد من استهلاك البيانات: بريد العمل، أو كتالوج أمازون اللامتناهي تقريباً، أو شريط أخبار فيسبوك اللامتناهي حقاً، حيث يقوم الشخص بشراء حفاضات أو ينخرط في إعلانات متزامنة مبثوثة بين صور الأطفال والمنشورات غير العبثية، ويكون المرء منتجاً عبر توليد الدخل لشركة إنترنت ضخمة، وهذا بوضوح جيد للاقتصاد، أو على الأقل أفضل قطعاً من قضاء وقت الغداء في قراءة كتاب استعرتَه من المكتبة، لأنه أي مال سيجنيه أي أحد من قراءة الكتب؟”.
ما يصفه بوكانان، وفقاً للمعايير الحالية، هو الحياة الجيدة. معناه التقدم والتميز الفردي. هذا هو ما تفعله عندما تكون قد أحرزت تقدماً طفيفاً في الحياة وتريد أن تتقدم أكثر قليلاً. لقد كان “جانب عجلة الهامستر” في القصة واضحاً منذ زمن طويل (3). لكن اليوم، في اقتصاد ميزته الرئيسية هي التزعزع، تحول ما كان مجرد حماقة وتكيّف إلى حماقة وإجبار. يجب إبعاد الهشاشة -الموجودة دائماً في المشهد- بأي ثمن. ولذلك أذهب في الأيام التي أحتاج فيها لتناول الخضار بسرعة إلى “سويت غرين”، الأيام التي عملت فيها طوال الأسبوع حتى الساعة الواحدة صباحاً ولم يكن لدي وقت لإعداد العشاء لأن عليّ العمل مجدداً حتى الواحدة صباحاً؛ وفي “سويت غرين” أحاول مثل بلهاء التواصل بصرياً من خلف الزجاج، وكأن هذا الفعل يمكن أن يخفف من الحاجة الشاهقة للإنتاجية التي أجبرت هذين الطابورين من البشر، أحدهما على إعداد سلطة سيزر بالكرنب طوال اليوم، والآخر على التهام تلك السلطات، وبعدها “أخطف” سلطتي وآكلها في أقل من عشر دقائق وأنا أقرأ البريد الإلكتروني.
في ظل ظروف الإكراه المصطنع والمتزايد باستمرار، من السهل الانزلاق إلى هوة تنظيم الحياة حول أنشطة تبدو لك مثيرة للسخرية وربما غير قابلة للدفاع عنها. والنساء على دراية جيدة بهذه المسألة منذ أمد بعيد.
لقد كنتُ متأخرة النضج في مجال الأنشطة الجسدية الوظيفية مثل تناول الخضار وممارسة الرياضة. كنت لاعبة جمباز في طفولتي ولاحقاً مشجعة (Cheerleader) (4)، لكن إحداهما كانت ممتعة والأخرى كانت، بشكل غير رسمي ولكنه حقيقي، من المتطلبات: في مدرستي كان عليك اختيار رياضة ما وكنت أفتقر للتنسيق بين اليد والعين في الرياضات الأخرى. في سن المراهقة، كان قوتي الغالب البيتزا وصلصة الجبن ولفائف القرفة، لأنني كنت أحاول تحصين نفسي باللامبالاة والبحث عن اللذة خلال تلك الفترة الطويلة التي تُنهك فيها التوقعاتُ المفاجئة بأن تكوني جميلة الفتياتِ، وينقلن فيها “فقدان الشهية العصبي” (Anorexia) (5) و”الشره المرضي” (Bulimia) (6) لبعضهن البعض مثل الفيروس. لأكثر من 5 سنوات، اعتقدت أنه من الأفضل لي أن أكون غير صحية قليلاً وأن أترك البحث النشط في الموضوعات المتعلقة بالجسد وشأنه.

تغير كل شيء عندما كنت في الحادية والعشرين وتطوعت في “فيالق السلام” (Peace Corps). في تلك الظروف، كان من المستحيل التفكير كثيراً في مظهري، لكن الصحة كانت ذات أهمية مباشرة لدرجة أنني لم أغفل عنها لحظة. كإجراء وقائي ضد الانهيار النفسي، بدأت ممارسة اليوغا يومياً في غرفتي. وعندما عدت إلى أمريكا في عام 2011، واصلت ذلك. ساعدتني اليوغا، خلال عملية إعادة التكيف، حين كنت تحت هجوم مستمر من الذعر والعبثية الروحية وأشعر بالفشل، لكي أكون لطيفة مع نفسي.
ثم في عام 2012، في نهاية جلسة يوغا، شعرت بأن شيئاً ما تغير. كنت منشغلة بالدراسات العليا وغارقة في فترة مليئة بالبيرة اليومية والاكتشاف اللامتناهي للذات؛ كنت في وضعية الاستلقاء للاسترخاء النهائي، وفجأة تحيرت: لماذا يُفترض بانعدام الحركة أن يكون مهدئاً؟ خيم شبح الركود بثقله على حياتي. فجأة اشتقت لذلك الجزء من وجودي الذي كان الدهاء، والصعوبة، والانضباط يثير حماسته. كنت أوجه هذه الغرائز في ذهني وأخفيها عن جسدي، ولكن لماذا؟ في تلك اللحظة احتجت لشيء أقوى من اليوغا، اليوغا التي ذكرتني راحتُها اللامتناهية في تلك اللحظة بالذات بأنني لا أعرف ماذا أفعل، وربما لن أعرف أبداً. لذا، بعد بضعة أيام في الأسبوع نفسه، طبعت إعلاناً لخصم الجلسة الأولى المجانية لنادٍ رياضي يُدعى “بيور بار” (Pure Barre). رحبت بي مدربة تشبه شخصية “جيسيكا رابت” (Jessica Rabbit): عينان خضراوان، وجسد يشبه الساعة الرملية بشكل لا يصدق، وشعر بلون العسل يصل لخصرها. قادتني إلى غرفة مظلمة كالكهف ومليئة بنساء مفتولات العضلات يرفعن عصياً حمراء غامضة. كان الجدار المقابل مغطى بالمرايا. كانت النساء يحدقن في انعكاساتهن ويستعدين بوجوه مصممة.
بدأ الصف وسادت حالة الطوارئ فوراً. “البار” (Barre) رياضة هوسية وطقوسية، غالباً ما تكون مصحوبة بموسيقى تصم الآذان وأضواء راقصة. إن المجموعة السريعة من الوضعيات والحركات التي تمليها وتفرضها المدربة تشبه ما قد تفعله راقصة باليه إذا ضربتها على رأسها وأجبرتها على استنشاق قرص كافيين عبر أنفها؛ برنامج متطرف ومتكرر من حركات اليدين، ورفع الساقين، وحركات تتمحور حول الحوض.
في نهاية الجلسة كانت عضلات ساقي قد ذابت. أطفأت جيسيكا الأنوار وقالت بصوت يشبه الصراخ إن الوقت قد حان لـ “الرقص الخلفي” (Back Dancing)، وهي عبارة فكرت، وأنا أسقط على الأرض، أنها تشبه شيئاً قد يستخدمه الناس في اجتماع لأولياء الأمور كتعبير ملطف عن العمل الجنسي. وفي الواقع كان الأمر تظاهراً بذلك: نستلقي على ظهورنا ونسحب أجسادنا للأعلى في الظلام… أضيئت الأنوار. همست جيسيكا “يا سيدات، يعطيكن العافية”. صفق الجميع.
ابتكرت لوت بيرك (Lotte Berk) رياضة “البار” في الستينيات. كانت راقصة باليه يهودية طورت طريقة تدريب قائمة على تمارين تلك الرقصة؛ وفي سن الـ 46، وبجسد كان بفضل انضباط صارم يشبه لوحة إعلانية متحركة، أسست نادياً رياضياً مخصصاً للسيدات في قبو بشارع مانشستر في لندن. واليوم، رياضة البار قائمة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. ظهورها غير مسبوق من عدة جوانب: ففيما يتعلق بطرق التدريب، لم تصبح أي رياضة بهذه التكلفة وهذا التكرار (الرتابة) محبوبة بهذا القدر. اليوغا الساخنة والبيلاتس موجودة في كل مكان، لكنها توسعت على مستوى النوادي الفردية، وليس على مستوى سلاسل النوادي في جميع أنحاء البلاد. (علاوة على ذلك، تكلف دروس اليوغا غالباً حوالي 20 دولاراً أو أقل، بينما البار، إذا دفعت السعر كاملاً، غالباً ما يكلف ضعف اليوغا). يبدو أن الاتفاق على أن هذه الرياضة تستحق العناء أمر بسيط بين مئات الآلاف من النساء من خلفيات سياسية وثقافية شديدة التنوع.
لقد آمنتُ بذلك خلال دراستي الجامعية في الغرب الأوسط. أولاً من خلال التمارين الجسدية المنتظمة بطريقة “بناتية” -الرقص، الجمباز، التشجيع- ثم من خلال اليوغا التي كانت مدخلي السريري (Clinical) لشيء كنت أدركه ببطء: أنه يمكنك التحكم في إحساس جسدك من الداخل دون تبعات سلبية واضحة، ونحته من الخارج عبر دفع المال لأشخاص لتعليمك في غرف مغطاة بالمرايا. كان “البار” مكلفاً جداً لميزانيتي الجامعية، لكنني واصلت دفع ذلك المال. بدا الأمر نوعاً من الاستثمار في حياة أكثر وظيفية.
هل كنت أستثمر في الصحة؟ إلى حد قليل نعم. لقد جعلني “البار” أقوى وحسّن وضعية جسدي. لقد منحني هذا الفراغ المترف -الذي هو خارج متناول الكثيرين لأسباب حمقاء كثيرة- بألا أضطر للتفكير في جسدي، لأنه يشعر بحالة جيدة في أغلب الأوقات، وصحي في معظم الأوقات.
لكن القدرة على التحمل التي تبنيها رياضة “البار” ربما تكون نفسية أكثر منها جسدية. ما ينفع فيه “البار” حقاً هو منحك اللياقة البدنية لحياة الرأسمالية المفرطة في التسارع. هذه الرياضة تُعدك ليوم عمل مدته 12 ساعة، أو أسبوع مع طفل بدون نظام رعاية أطفال، أو العودة مساءً من العمل في قطار متهالك، أكثر مما تُعدك لركض الماراثون. تشابه “البار” مع الرياضة كتشابه “سويت غرين” مع تناول الطعام: كلاهما من الأفضل تصنيفه كآليات تساعدك على التكيف مع العذاب التعاقدي وطويل الأمد. يُعد “البار” في قالب رياضة، مثالياً لزمن يُجبر فيه الجميع على العمل باستمرار -يمكنك العودة لمكتبك بعد خمس دقائق منه دون الحاجة للاستحمام- وفيه لا يزال يُتوقع من النساء أن يظهرن بمظهر جيد بشكل غير منطقي.
وبالطبع، هذا الجزء الثاني، أي قضية المظهر، هو ما يجعل “البار” ذا قيمة لكل هؤلاء الناس. هذه الرياضة موجهة نحو النتائج وقائمة على المظهر؛ ولديها نفس العصبية الموجودة في “الكروس فيت” (CrossFit) أو جلسات “معسكرات التدريب” (Boot Camp)، لكن هدفها المظهر بدلاً من القوة. فيما يتعلق بالحركات الفعلية، ليس لها سوى علاقة غامضة برقص الباليه، لكنها من الناحية المفاهيمية ضرورية لأمر الإقناع. بين النساء، لدى راقصات الباليه سبب مشروع ليبدون مرتبات ومنضبطات. هناك نساء كثيرات أخريات نحيفات وذوات وقار -عارضات الأزياء، والمرافقات، والممثلات- لكن راقصات الباليه لا يحققن معايير الجمال فقط من أجل المظهر أو الأداء، بل الرياضة البطولية والفن هما أيضاً من أهدافهن. وبالتالي، فإن طريقة التدريب التي تحتوي ولو على نزر يسير من الباليه لها هذا التأثير الدقيق المتمثل في منح النساء العاديات إدراكاً لنوع من الهدف الجدي، والفني، والمهني في السعي وراء القوام المثالي. إنه نوع من الاستثمار الجيد، أو بتعبير أدق، خداع الذات البراغماتي. أن نتعلم كيف نعمل بفاعلية أكبر داخل نظام منهِك: في رأيي هذا هو السبب الذي يجعل الناس يدفعون 40 دولاراً للجلسة في دروس البار، كونه استثماراً يدر الربح دائماً.
استُخدم مصطلح “التحسين الأمثل” (Optimization) بالمعنى الذي نستخدمه اليوم، لأول مرة في منتصف القرن التاسع عشر في علم الاقتصاد. كتب ويليام ستانلي جيفونز (William Stanley Jevons) في كتاب “نظرية الاقتصاد السياسي”: “إشباع رغباتنا بأفضل نحو وبأقل جهد -تأمين أكبر قدر مما هو مرغوب فيه بصرف أقل قدر مما هو غير مرغوب فيه- بعبارة أخرى، مسألة الاقتصاد هي تعظيم اللذة”. كلنا نريد الاستفادة القصوى مما نملك.

اليوم، يزدهر مبدأ التحسين الأمثل -وفقاً لتعريف القاموس: عملية إيصال الأشياء “إلى أقصى درجات الكمال، أو الاستخدام، أو التأثير الممكن”- في ظل الإفراط. حتى أنه نشأت صناعة كاملة لتوفير زي موحد للتحسين الأمثل: “الأثليجر” (Athleisure) (7)، وهي الملابس التي ترتديها عندما تحاول أن تعيش حياة مثالية (بهيجة) أو تريد إظهار شغفك بالحصول عليها. تعريفي للأثليجر هو: معدات رياضية تدفع الكثير من المال مقابلها؛ لكن إذا أردت تقديم تعريف أكثر شمولاً، يجب أن أقول إن الأثليجر حققت في عام 2016 عوائد مالية بلغت 97 مليار دولار.
حين تصبح الراحة مشروعًا جماليًا:مرت “الأثليجر” منذ ظهورها قبل نحو عقد من الزمن بعدة نسخ جمالية مختلفة. في البداية، كانت الجوارب الطويلة (Tights) السوداء مع قطع علوية ملونة؛ نسخة الـ “سباندكس” (Spandex) من الزي الموحد المحبوب للنساء للتنزه في العقد الماضي، النساء اللواتي ربما غيّرن، بحلول ظهور الأثليجر، تفاعلاتهن الاجتماعية اليومية إلى دروس يوغا ومواعيد لشرب القهوة. مؤخراً تفرعت الأثليجر وتكيفت مع التحولات مجدداً. يوجد نوع من نمط “الهيبي الكوني” (Cosmic Hippie) (تصاميم مفصلة، أنماط مجرية عنكبوتية)، ونوع من نمط لوس أنجلوس أحادي اللون (شبك، ألوان خفيفة، قبعة بيسبول)، وكذلك الجماليات التقليلية (Minimalist) والملونة لعلامة “آوتدور فويسز” (Outdoor Voices)، بالإضافة إلى طوفان من الشعارات الفظيعة مثل: “أراك في صف البار”. تشمل العلامات التجارية: “لولوليمون” (Lululemon)، و”أثليتا” (Athleta)، و”سويتي بيتي” (Sweaty Betty) وغيرها.
يرتدي الرجال الأثليجر أيضاً، لكن الفكرة والجزء الأكبر من هذه الفئة ينتمي للنساء. تشكلت هذه الفئة حول عادات أشخاص مثل الأمهات ربات البيوت، وطالبات الجامعة، ولاعبات كمال الأجسام المحترفات، والعارضات في أوقات فراغهن، والنساء اللواتي يرتدين ملابس رياضية خارج البيئات الرياضية، مثل راقصات الباليه اللواتي لديهن أسباب قوية لمراقبة القيمة السوقية لمظهرهن. هذا الدافع العميق مخفي وراء عدة دوافع واضحة: ارتداء هذه الملابس مريح، وقابلة للغسل في الغسالة ومقاومة للتجاعيد. الأثليجر -مثل كل تجارب ومنتجات التحسين الأمثل- مريحة بشكل موثوق في عالم غير مريح. في عام 2016، كتبت مويرا وايغل (Moira Weigel) في مجلة “ريل لايف” (Real Life): “أعلنت لولوليمون أن الحياة تصبح خالية من الاحتكاك لمن يرتدي ملابسها”. وهي تتذكر ارتداء ملابس داخلية ضيقة لأول مرة وتكتب: “الكلمة المناسبة للشعور الذي منحني إياه ردائي هي: الأمثل”.
“السباندكس:” (Spandex) وهي المادة المستخدمة في كل من منتجات علامة “سبانكس” (Spanx) والجوارب الطويلة باهظة الثمن- اختُرعت خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كان الجيش يحاول إنتاج أقمشة جديدة للمظلات. السباندكس مرن، ومقاوم، وقوي بشكل فريد. ارتداء سباندكس بجودة جيدة يعطي شعوراً بالراحة، لكن هذا الشعور المطمئن يترافق مع طبقة تحتية من المطالبة. اللباس الضيق يسيطر على الجسد تحته؛ ارتداء الأثليجر يعني بث التزامك بالسيطرة على جسدك من خلال الرياضة. وحتى لكي يناسبك أحد ملابس لولوليمون، فأنت مجبرة على امتلاك جسد منضبط. (قال مؤسس الشركة مرة إن “بعض النساء” ليس من المفترض أن يرتدين منتجات هذه العلامة). كتبت وايغل: “يلتقي الاستعراض ومراقبة الذات في حلقة تغذية راجعة. وبما أن تلك السراويل ’تعمل‘ فقط لأجساد معينة، فإن ارتداءها يذكرك بالذهاب للحصول على ذلك الجسد”.
وهكذا، أزالت “الأثليجر” المسافة بين الملابس الرياضية والأزياء: الفئة الأولى تحسن أداءك (تجعله أمثل)، والفئة الثانية تحسن مظهرك، والأثليجر تفعل الأمرين معاً. إنه لباس مفصّل لزمن أُعيد فيه تسويق العمل بوصفه متعة لكي نتقبل المزيد منه؛ زمن يُعتبر فيه تحسين المظهر بالنسبة للنساء عملاً يجب أن نصدق أنه ممتع. والخدعة الحقيقية للأثليجر هي طريقتها في الاقتراح الجسدي بأنكِ قد خُلقتِ لفعلي هذا الأمر، وأنكِ من ذلك النوع من الناس الذي يعتقد أن القيام بعمل شاق ثمين للحصول على تجربة حياة استهلاكية بأقصى جاذبية وكفاءة عالية، هو، مثل باقي الأشياء، طريقة جيدة لتمضية الوقت على كوكب الأرض. اشتريتُ مؤخراً أول ملابس داخلية من علامة “سبانكس” للذهاب إلى حفل زفاف. كانت أقدم صديقاتي في تكساس تتزوج، وكان فستان وصيفات العروس -لـ 13 منا- وردياً باهتاً، وطويلاً حتى الأرض وضيقاً؛ من الرقبة بلا حمالات حتى الركبتين كان كالتغليف بالبلاستيك. في المرة الأولى التي ارتديت فيها الفستان، كان بإمكاني رؤية داخل سرتي في المرآة. بعبوس، ذهبت واشتريت عبر الإنترنت “ملابس داخلية دانتيل بخصر عالٍ هوت كونتور” (Haute Contour) بـ 98 دولاراً. وصلت بعد بضعة أيام، وارتديتها مع فستان الوصيفة: لم أستطع التنفس بشكل صحيح، وبدأت فوراً بالتعرق وبدا كل شيء أسوأ. نظرت لانعكاسي في المرآة وقلت: “ما هذا بحق الجحيم”. كنت أشبه تقليداً أخرق لامرأة هدفها الفردي الأسمى في الحياة هو أن تبدو جذابة في الصور. وبالطبع، في تلك اللحظة، في ملابس داخلية دانتيل بـ 98 دولاراً تعاقبني وفستان مصمم لعارضة إنستغرام، كنتُ تلك المرأة بالضبط.
المرأة المثالية بين السوق والأبوية:تبدو المرأة المثالية جميلة، وسعيدة، ومرتاحة البال، ومتمكنة تماماً. لكن هل هي كذلك حقاً؟ إن الظهور بشكل معين وكونك ذلك الشيء حقاً هما مقولتان منفصلتان، والسعي لتبدي مرتاحة البال وسعيدة يمكن أن يتعارض مع القدرة على الشعور بالسعادة والراحة. لقد قنّن الإنترنت هذه المسألة وجعلها حتمية؛ في السنوات الأخيرة، باتت الثقافة الشعبية تعكس بمرور الوقت تصدعات الشخصية التي تخلقها وسائل التواصل الاجتماعي. ليس من قبيل المصادفة أن تركز هذه القصص غالباً على النساء، وغالباً ما تتضمن بطلة أوصلها “الأفاتار” الرقمي لإحدى نظيراتها إلى حافة الجنون. هناك نوع من الحتمية الثنائية المبالغ فيها في هذه القصص، حيث تكون النساء إما ناجحات أو فاشلات، دائماً إحداهما أو الأخرى؛ وشعور بالحتمية يبدو لكِ صادقاً أكثر حول الحياة. إذا كان الهروب من السوق غير ممكن، فلماذا التوقف عن العمل وفق شروطه؟
النساء عالقات حقاً عند تقاطع الرأسمالية والنظام الأبوي (Patriarchy)، وهما نظامان يضمنان، في أكثر وجوههما تطرفاً، أن يكون ثمن النجاح الفردي هو الأخلاقيات الجماعية. ومع ذلك، هناك متعة غامرة في النجاح الفردي. إن الاقتراب من المثل الأعلى، والعثور على الذات -في صورة جميلة، في يوم زفافك، في لمحة من الحركات المتوازنة- وأن تكوني قدوة، يمكن أن يشبه الحصول على تصريح بالفاعلية (Agency). للنجاح في النظامين الرأسمالي والأبوي مكافآت؛ حتى الرغبة في العمل وفق شروطهما لها مكافآت أيضاً. على السطح، لا يوجد سوى المكافآت. الفخ يبدو جميلاً. ومضاءً بشكل جيد. ويرحب بك.
وكما طرحت دونا هارواي (Donna Haraway) في مقالها الصعب “بيان السايبورغ” (A Cyborg Manifesto) عام 1985، هناك ادعاء لفهم الوضع النسائي بوصفه شيئاً ملوّثاً من الأساس، والبحث عن نوع من الحرية يتوافق مع ذلك الوضع. كتبت: “في مركز ديانتي الساخرة، وتجديفي، تجلس صورة السايبورغ”. كان السايبورغ “مزيجاً من الآلة والكائن العضوي، مخلوقاً من الواقع الاجتماعي والخيال معاً”. لقد محا أواخر القرن العشرين “الفرق بين الطبيعي والاصطناعي، العقل والجسد، ما يتطور من الداخل وما يُصمم من الخارج، وتمييزات أخرى عديدة كانت تنطبق سابقاً على الكائنات العضوية والآلات، تماماً. آلاتنا حية بشكل مثير للقلق، ونحن أنفسنا راكدون بشكل مخيف”.
تخيلت هارواي أن النساء، اللواتي شُكِّلن بطريقة تجعلهن غير منفصلات عن البنية الاجتماعية والتكنولوجيا، يمكنهن أن يصبحن سيالات ومتطرفات ومقاومات. يمكننا أن نكون مثل السايبورغ؛ لقد صُنعنا وفق صورة لم نخترها، وبالتالي يمكننا أن نكون خائنات ومتمردات. كتبت هارواي: “غالباً ما يكون الأبناء غير الشرعيين خائنين تماماً لأصولهم. رغم كل شيء، كان آباؤهم غير ضروريين”. السايبورغ “مقاوم، وطوباوى، وبريء تماماً من البراءة”. إنه يدرك أن ظروف حياته كانت دائماً مصطنعة. إنه -ويا لها من إمكانية لا تصدق!- لا يكنّ أي احترام للقوانين التي سارت حياته وفقاً لها.
النساء في الحياة الواقعية أكثر انصياعاً من ذلك بكثير. تمردنا مبتذل وصغير. بدأت النساء المثاليات على إنستغرام مؤخراً فقط في إيجاد ذرة من الاحتكاك مع الهياكل التي تحاصرهن. أصبح البيان المناهض لإنستغرام الآن جزءاً متوقعاً من دورة حياة العارضة/المؤثرة (Influencer) على وسائل التواصل الاجتماعي: الشابة الجميلة التي تبذل جهداً كبيراً للحفاظ على جمالها وعرضه للجمهور، ستنشر في النهاية منشوراً على إنستغرام تكشف فيه أن إنستغرام تحول إلى بئر لا قاع له من الشعور بعدم الأمان الفردي والقلق. ستمنح نفسها إجازة لمدة أسبوع من وسائل التواصل الاجتماعي، ثم، في جميع الحالات تقريباً، ستستمر في العمل تماماً كما في السابق. إن مقاومة نظام ما تُقدم دائماً تقريباً وفق شروط النظام نفسه. عندما نحصل على الفاعلية، يكون من الأسهل علينا بكثير استخدامها للتكيف بدلاً من المعارضة.
الحقيقة هي أن التكنولوجيا حولتنا إلى كائنات بلا مقاومة: فيما يتعلق بالجمال، لقد وظفنا التكنولوجيا ليس فقط لتلبية مطالب النظام، بل في الواقع لتوسيع هذه المطالب. في جميع القدرات المتعلقة بالجمال، توسعت دائرة الإمكانات للنساء بشكل أسي -فكروا في التجربة طويلة الأمد لعائلة “كارداشيان” في مجال تعديل الجسد، أو في العارضات الشابات اللواتي منحهن جراحو التجميل وجوهاً جديدة تماماً- لكنها ظلت راكدة في مجالات عديدة أخرى. نحن لم نقم بـ “التحسين الأمثل” للأجور، أو لنظام رعاية الأطفال، أو لتمثيلنا السياسي؛ ما زلنا بالكاد ننظر للمساواة كشيء واقعي في هذه المجالات، ناهيك عن نية الاقتراب من الظروف المثالية. لقد قمنا بتعظيم قدرتنا (بوصولها للحد الأقصى) بصفتنا أصولاً في السوق. هذا كل ما في الأمر.
في رأيي، يكمن المخرج في اتباع السايبورغ. يجب أن نعزم على أن نكون خائنات، وأن نُقوّض. السايبورغ قوي لأنه يغتنم الإمكانات الكامنة في اصطناعيته، ولأنه يقبل دون تساؤل المدى الذي تجذرت فيه هذه الاصطناعية بداخله… قد يكون ذلك ممكناً إذا أردناه. ولكن هل نريده؟ ماذا ستريدين -إلى أي رغبات، وإلى أي أشكال من التمرد ستتمكنين من الوصول؟- إذا نجحتِ في أن تتحولي إلى المرأة المثالية، الناجحة والمحبوبة، كإثبات على كفاءة النظام الذي يرفعك كل يوم إلى السماء ثم يطرحك أرضاً؟
المصادر:
• كُتبت هذه المقالة بقلم جيا تولينتينو، ونُشرت على موقع صحيفة الغارديان الإلكتروني في 2 أغسطس/آب 2019 بعنوان “الملابس الرياضية، تمارين البار، والكرنب: استبداد المرأة المثالية”. ونُشرت النسخة المترجمة في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019 بعنوان “الدعم، الرياضة، والسلطة: العادات اليومية المقدسة للمرأة المثالية”، وترجمها علي أميري.
•• جيا تولينتينو كاتبة ومحررة أمريكية، وكاتبة في مجلة نيويوركر. كما نُشرت كتاباتها في مجلة نيويورك تايمز وموقع بيتشفورك.
••• هذه المقالة مقتطفة من كتاب “مرآة الخدعة: تأملات في خداع الذات”.
[1] تمارين البار هي نوع من تمارين اللياقة البدنية المستوحاة من الباليه، وتتميز باستخدام قضبان الباليه. لذلك تُسمى “بار” [ترجمة].
[2] المصطلح الذي تستخدمه الكاتبة هو “الوجبات السريعة غير الرسمية”. لا تحتوي هذه الأنواع من المطاعم على طاولات أو كراسي أو خدمة، لكنها تدّعي تقديم طعام عالي الجودة، غير مُجمّد وغير مقلي.
[3] إشارة إلى الحركة اللانهائية وغير المجدية للهامستر على عجلة.
[4] مشجعة
[5] فقدان الشهية العصبي.
[6] مرض نفسي يشعر فيه المريض بعدم الرضا عن جسده ولديه رغبة شديدة في إنقاص وزنه باستمرار.
[7] ملابس رياضية أنيقة هي فرع من الأزياء يُصمّم ملابس رياضية لارتدائها في أماكن غير رياضية.
[8] بيان السايبورغ
⦁ رابط المقال: https://tarjomaan.com/
No Comment! Be the first one.