يروي جوزيف ستيغليتز، الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، في أحدث كتبه قصة مألوفة، لكنها لا تزال غريبة ومدهشة؛ إنها قصة هيمنة السردية النيوليبرالية على المدارس الاقتصادية الأخرى في أواخر القرن العشرين. وما يهمه في هذا الخط السردي هو قوة صمود الافتراضات الأيديولوجية في وجه الأدلة التجريبية (Empirical evidence). يقول ستيغليتز إنه في هذه الفترة، التي لم تكن قصيرة، أظهر كم هائل من الأبحاث التجريبية والتحليلات المعقدة أن السوق غير المقيدة (Unrestricted market) تعاني من عيوب قاتلة، إلا أن هذه الأدلة لم تؤثر على دفاع شخصيات مثل هايك (Hayek) وفريدمان (Friedman) عن الأفكار النيوليبرالية.

جوزيف ستيغليتز، ليتيراري هاب (Literary Hub) — غالبًا ما تكون النقاشات السياسية أقل دقة وتعقيدًا من النقاشات الفكرية التي تقف وراءها، على الرغم من أنها تنبثق عن تلك النقاشات الفكرية. في عام 1991، سقط الستار الحديدي (Iron Curtain)، وأعلنت الصين أنها ستتجه هي الأخرى نحو اقتصاد السوق (Market economy)، مع الحفاظ بالطبع على “خصائصها الصينية” (ولا يُعرف ما يعنيه ذلك على وجه التحديد). في ذلك الوقت، أجمع الكل على أن التطرف الاشتراكي والشيوعي المتمثل في ملكية الدولة (وبالتالي سيطرتها) على كل شيء من جهة، والسوق غير المقيدة (من النوع الذي كانت تروج له جمعية مون بيليرين – Mont Pelerin Society) من جهة أخرى، هما أمران ولى زمانهما.
بل إن فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، عالم السياسة والاقتصاد، ذهب إلى حد القول بأن هذه هي “نهاية التاريخ”، لأن فهمنا للأنظمة الاقتصادية والسياسية قد توصل إلى “الحل الصحيح”، أي اقتصاد السوق والديمقراطيات الليبرالية.
ونظرًا للبون الشاسع بين المعتقدات المتطرفة لجمعية مون بيليرين والشيوعية، استمرت الجهود لإيجاد “طريق ثالث” (Third Way) أمثل بين الجناحين اليساري المتطرف واليميني المتطرف. وكان من المهم جدًا أن يحدد الأفراد موقعهم ضمن هذا الطيف. ومن الناحية السياسية، انعكس هذا الأمر في الصراعات الداخلية بين اليساريين واليمينيين الأكثر اعتدالًا.
تصاعدت هذه النقاشات السياسية خلال فترة رئاسة بيل كلينتون، على سبيل المثال، بين أعضاء إدارة كلينتون الذين ركزوا على البيئة وانعدام المساواة والاقتصاد الأكثر تنافسية، وبين أولئك الذين ركزوا على القروض، وأسعار الفائدة، ورفع القيود التنظيمية (Deregulation)، والتحرير الاقتصادي، والنمو. وفي معظم الحالات، انتصرت المجموعة الثانية.
النيوليبرالية (Neoliberalism) هي نظام تبلور في الربع الأخير من القرن العشرين على جانبي المحيط الأطلسي. وتعني كلمة “ليبرالي” التمتع بالحرية، والمقصود هنا هو التحرر من التدخلات الحكومية، بما في ذلك التحرر من القوانين واللوائح الحكومية. أما المقطع “نيو” (Neo) فيعني أن هناك شيئًا جديدًا في هذا النوع من الليبرالية. ولكن في الواقع، لم يختلف هذا النوع من الليبرالية كثيرًا عن عقيدة الليبرالية ومبدأ “دعه يعمل” (Laissez-faire) في القرن التاسع عشر، والذي كان ينادي بترك الأمور للسوق.
في الواقع، حافظت هذه الأفكار على نفوذها في القرن العشرين لدرجة أن خبراء اقتصاديين مشهورين قالوا قبل بضعة عقود، ردًا على الكساد الكبير (Great Depression)، “لا تفعلوا شيئًا”. فقد كانوا يعتقدون أنه إذا لم تتدخل الدولة وتزيد الأمور تعقيدًا، فإن السوق
ستستعيد عافيتها بسرعة تقريبًا.

وما كان جديدًا حقًا في النيوليبرالية هو الادعاء الزائف لهذا النظام بشأن إلغاء القوانين، في حين أنه فرض في الواقع قوانين جديدة تصب في صالح البنوك والأثرياء. على سبيل المثال، أدى ما سُمي بـ “رفع القيود التنظيمية” عن البنوك إلى إزاحة الدولة مؤقتًا عن الطريق، مما مكّن المصرفيين من تحقيق مزايا ومكاسب لأنفسهم. ولكن بعد ذلك، وفي إبان الأزمة المالية عام 2008، أصبحت الدولة في بؤرة الاهتمام، لأنها تمكنت -بفضل دافعي الضرائب- من تقديم أكبر خطة إنقاذ مالي (Bailout) في التاريخ للبنوك.
وقد استفاد المصرفيون من هذه الحادثة على حساب خسارة بقية المجتمع. ومن الناحية النقدية، فاقت التكلفة التي تكبدناها نحن كأشخاص عاديين حجم الأرباح التي حصدتها البنوك. فقد كانت النيوليبرالية في الممارسة العملية تمثل ما يُعرف بـ “الرأسمالية الزائفة” (Ersatz capitalism)، حيث تتحول الخسارة إلى عبء اجتماعي مجمّع، بينما يكون تحقيق الأرباح أمرًا شخصيًا.
لقد طرح الاقتصاديون النيوليبراليون نظرية للدفاع عن وجهات نظرهم، وليس من المستغرب أنهم أطلقوا عليها اسم الاقتصاد الكلاسيكي الجديد (Neoclassical economics). يستحضر هذا الاسم الاقتصاد الكلاسيكي للقرن التاسع عشر، وتؤكد سابقة “الجديد” فيه على أنه يمتلك أسسًا متينة، مما يعني في الممارسة العملية أنه يستند إلى الرياضيات.
كان لدى بعض الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد أفكار مفككة بعض الشيء؛ فقد كانوا يدركون أن الأسواق غالبًا لا تخلق العمالة الكاملة (Full employment) من تلقاء نفسها، لذلك تبرز الحاجة أحيانًا إلى السياسات الكينزية (Keynesian policies)، ولكن عندما يتمكن الاقتصاد من خلق العمالة الكاملة، فإن الاقتصاد الكلاسيكي هو الذي سيسود. هذه الفكرة التي دافع عنها أستاذي بول سامويلسون (Paul Samuelson)، سُميت بـ “التوليفة الكلاسيكية الجديدة” (Neoclassical synthesis)، ورغم أنها لم تكن تستند إلى أي أساس نظري أو تجريبي، إلا أنها أصبحت مؤثرة للغاية.
كانت الدعوة للعودة إلى الليبرالية، هذه المرة تحت الاسم الجديد “النيوليبرالية”، في منتصف القرن الماضي متعارضة تمامًا مع ما حدث خلال الكساد الكبير. فقد كانت أشبه بـ “الكذبة الكبرى” لهتلر. ففي فترة الكساد الكبير، اتضح أن المنطق الاقتصادي القائل بأن الأسواق تتسم بالكفاءة والاستقرار بمفردها يبدو منطقًا غير معقول.
(لقد كانت هذه الفكرة كذبة كبرى من جانب آخر أيضًا. فقد كانت الحقيقة أن الدولة تؤدي دورًا مهمًا، بغض النظر عن كيفية تقييمنا لهذا الدور، مثل حصة الدولة في الناتج المحلي الإجمالي أو حصتها في التوظيف. وبمرور الوقت، حددت الأنظمة السياسية الديمقراطية المجالات التي لم توفر فيها السوق ما تريده المجتمعات أو تحتاجه، مثل استحقاقات التقاعد، ووجدت الدول طرقًا للقيام بهذه المهام لصالح الجمهور).
لكن الناس سريعو النسيان، وبعد ربع قرن من ذلك الحدث المهم، كان الجناح اليميني، المتأثر بتداعيات الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، مستعدًا لتقبل ادعاء كفاءة السوق الحرة مرة أخرى. وحين واجهوا نظريات وأدلة تتعارض مع ذلك، أغمضوا أعينهم وتمسكوا بإيمانهم بقوة. لقد رأيت هذا الأمر بنفسي في حواراتي المتكررة مع ميلتون فريدمان وزملائه، سواء في جامعة شيكاغو أو في مقرهم بمعهد هوفر في جامعة ستانفورد.
تحول الإيمان بالسوق (والمادية المرتبطة به التي تقول إنه كلما زاد الناتج المحلي الإجمالي كان ذلك أفضل) بالنسبة للعديد من الناس في جميع أنحاء العالم في أواخر القرن العشرين إلى نوع من العقيدة الدينية، إلى شيء يجب التمسك به بغض النظر عن جميع النظريات أو الأدلة التي تثبت عكسه.
وعندما وقعت الأزمة المالية عام 2008، بدا من المستحيل أن يستمر هؤلاء المحافظون في التمسك بعقيدتهم الأصولية (Fundamentalist religion) بشأن السوق، وبفكرة أن الأسواق تتسم بالكفاءة والاستقرار من تلقاء نفسها. لكنهم ظلوا متمسكين بها، وهذا يثبت أن فكرتهم كانت نوعًا من العقيدة الأصولية، وأن صحتها لا تُدحض بالحجج المعارضة، أو -في هذه الحالة- بالأحداث المناقضة لها. وحتى عندما أصبح فشل النيوليبرالية واضحًا أكثر فأكثر،
كما سأشرح لاحقًا، لم يتخلوا عن معتقداتهم.

ولم يغضوا الطرف عن الإخفاقات الكبرى فحسب، بل تجاهلوا أيضًا الإخفاقات الصغيرة التي جعلت حياة الكثيرين صعبة، مثل التأخيرات التي لا تحصى في رحلات الخطوط الجوية وفقدان أمتعة المسافرين، وخدمات الهواتف المحمولة والإنترنت باهظة الثمن وغير الموثوقة، فضلًا عن نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الذي كان أغلى بكثير من أي مكان آخر في العالم، لكن إدارته كانت مستعصية، وكانت نتيجته أدنى متوسط متوقع للأعمار بين الدول المتقدمة.
كانت السوق في هذه العقيدة الجديدة تتسم دائمًا بالكفاءة، في حين كانت الدولة دائمًا تفتقر إلى الكفاءة وتتسم بالظلم. ومن وجهة نظر هذه العقيدة، تكمن المشكلة في أننا لا ندرك ميزة السوق وكفاءتها، ولا نقدّر قيمة شركة التأمين أو الشركة المزودة لخدمة الإنترنت التي تتركنا على خط الهاتف قيد الانتظار لمدة ساعتين.
كانت هذه “العقيدة الاقتصادية” تشبه الأديان التقليدية من جانب آخر أيضًا، ألا وهو التبشير الديني. فقد روجت وسائل الإعلام بجدية لعقيدة المحافظين هذه، وانتشرت أفكارهم بشكل ملحوظ في قطاع التعليم العالي أيضًا. وأدت هذه الممارسات إلى محو بقايا الرؤية الاقتصادية البديلة والأكثر إنسانية -التي ظهرت في أوائل الثلاثينيات ثم ازدهرت مجددًا في خضم الاضطرابات التي سادت أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات- من الأذهان العامة والسياسية.
كما كانت النيوليبرالية تشبه العقيدة الأصولية من زاوية أخرى، وهي أنها كانت تملك إجابات جاهزة لكل ما يتعارض مع مبادئها. فإذا فقدت الأسواق استقرارها (كما تجلى بوضوح في الأزمة المالية عام 2008)، فإن المشكلة تكمن في الدولة، لأن البنوك المركزية ضخت أموالاً طائلة. وإذا لم تحقق دولة ليبرالية النمو بالطريقة التي نصت عليها عقيدتهم، فإن السبب يعود إلى أنها لم تصبح ليبرالية بالقدر الكافي.
وكما شهدنا، طبقت الحكومات في جميع أنحاء العالم، والتي كان يديرها في أواخر القرن العشرين الجيلُ الذي نشأ بعد الكساد، نسخة من النيوليبرالية. كان هذا الأمر يُسعد الرأسماليين، وقد أغوى الكثير من الناس بالمنطق الساذج القائل بأن الأسواق الحرة تجلب معها النجاح الاقتصادي والحرية على حد سواء. لقد أكدت سابقًا على دور الجناح اليميني في الدفع بأهداف النيوليبرالية، لكن هذا الجناح كان ناجحًا للغاية في تشكيل عقلية تلك الحقبة. كما أوضحت كيف تقبل كلينتون وشرويدر وبلير النيوليبرالية بصدر رحب.
يجب أن أؤكد أنه كان هناك خلاف كبير حول تفاصيل النيوليبرالية في رؤى كل من يسار الوسط ويمين الوسط، والتي سيطرت على النقاشات السياسية والاقتصادية، لا سيما في الخطابات التي كان يلقيها أنصارهم. فقد حاول الفريق الأول إضفاء طابع إنساني على الإصلاحات، وطالبوا بتقديم المساعدة لأولئك الذين فقدوا وظائفهم بسبب تحرير التجارة. في حين ركز الفريق الثاني على الحوافز، وكانوا يخشون أن تؤدي المساعدات والإعانات إلى عدم قيام الناس بدورهم على النحو الأمثل.
كان الجناح اليميني يتحدث عن “اقتصاد التساقط” (Trickle-down economics) ويقول إنه إذا قمنا بتكبير كعكة الاقتصاد، فإن كل شيء سيتحسن في نهاية المطاف. ولم يكن الديمقراطيون -والديمقراطيون الاشتراكيون في أوروبا- واثقين تمامًا من فعالية اقتصاد التساقط أو من سرعة تأثيره بالقدر الكافي. ولكن في النهاية، ورغم الفروق الكبيرة والخطابات الجوفاء المتعددة، ارتبط كل من يمين الوسط ويسار الوسط بالنيوليبرالية.
لقد مرت الآن أربعون عامًا على تجربة النيوليبرالية التي بدأت في عهد ريغان وتاتشر. لم تتحقق الوعود البراقة بنمو أسرع ومستويات معيشية أعلى، والتي كانت تُردد في كل مكان. بل تباطأ النمو، وتضاءلت الفرص، وذهبت النسبة العظمى من ثمار النمو الذي حدث إلى الفئات العليا.
ولعل هذه التداعيات كانت أسوأ في الولايات المتحدة منها في أي مكان آخر، نظرًا لاعتمادها الأكبر على الأسواق وتطبيق التحرير الاقتصادي على نطاق أوسع. فقد شهدت هذه الدولة أسوأ ركود اقتصادي خلال ثلاثة أرباع القرن الماضي في إبان الأزمة المالية لعام 2008، ونقلت عدوى هذه الأزمة إلى بقية أرجاء العالم. وفي السنوات الأولى من القرن الحالي، تحولت أمريكا إلى دولة تسجل أعلى مستويات انعدام المساواة، وفي بعض الحالات، أدنى مستويات الفرص مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى. وبلغت الأجور أدنى مستوياتها، وبعد تعديلها وفقًا لمعدلات التضخم، استقر مستوى الأجور عند نفس المستوى الذي كان عليه قبل أكثر من نصف قرن.
تحول الحلم الأمريكي (American Dream) إلى أسطورة، وأصبحت آفاق حياة الشباب الأمريكي مرتبطة بمستوى دخل وتعليم والديهم أكثر من ارتباط حياة شباب الدول المتقدمة الأخرى بوالديهم. ويمكن لحوالي نصف الأمريكيين المولودين بعد عام 1980 فقط أن يأملوا في تجاوز دخل والديهم (وكانت هذه النسبة تبلغ تسعين بالمائة لمواليد عام 1940). كما أسفر فقدان الأمل عن تداعيات سياسية، ويُعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا واحدًا من أبرز تلك التداعيات.
ولا تروي الإحصاءات القصة كاملة. فالأسواق الحرة، أو حتى الأسواق التي لا تخضع لرقابة كافية، تؤدي إلى نتائج اجتماعية غير مرغوب فيها، وينبغي أن يكون هذا الأمر بديهيًا وجليًا لكل من عاش في أواخر القرن العشرين أو أوائل القرن الحادي والعشرين.
لننظر في الحالات التالية: أزمة المواد الأفيونية (Opioid crisis) التي أثارتها شركات الأدوية والصيدليات لتحصد الأرباح من آلام الناس؛ وشركات السجائر التي تنتج منتجات مسببة للإدمان وقاتلة؛ وحالات الاحتيال المتعددة التي تتربص بكبار السن وغيرهم؛ وشركات إنتاج الأغذية والمشروبات التي تروج لمنتجاتها غير الصحية بوقاحة ولفترات طويلة لدرجة أنها ورطت البلاد في وباء السكري بين الأطفال؛ وشركات النفط والفحم التي تجني مليارات الدولارات بينما تعرض كوكبنا للخطر. من الصعب أن نجد مجالاً في النظام الرأسمالي يخلو من شكل من أشكال الاحتيال أو الاستغلال.
ولا تفرض الرأسمالية تكاليفها الباهظة فقط على من يعانون مباشرة من جوانبها المظلمة. فنحن جميعًا في حالة حذر دائم خشية التعرض للاستغلال. إن تكاليفنا الاقتصادية باهظة، لكن تكاليفنا النفسية تفوقها بكثير. وتعكس هذه التكاليف إخفاق النظام بأسره، مما يولد تداعيات كبرى، كالوضع الصحي المتردي نسبيًا (مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى) والذي أشرت إليه آنفًا.
وليست عواقب المشروع النيوليبرالي في مناطق أخرى من العالم بأفضل حالًا. ففي إفريقيا، أدت سياسات “إجماع واشنطن” (Washington Consensus) إلى عملية تراجع الصناعة (Deindustrialization)، وأبقت نمو دخل الفرد قريباً من الصفر على مدى ربع قرن. أما أمريكا اللاتينية، فقد شهدت في الثمانينيات ما يُعرف بـ “العقد المفقود” (Lost Decade). وفي العديد من البلدان، أدى تدفق رؤوس الأموال السريع ثم تخارجها -بناءً على سياسات سوق رأس المال وتحرير السوق المالية- إلى توالي الأزمات؛ لتتجاوز مئات الأزمات حول العالم.
وما أوجه انعدام المساواة في الولايات المتحدة إلا نسخة مخففة من أشكال انعدام المساواة في أماكن أخرى. فقد أدت سياسات إجماع واشنطن التي فُرضت على دول الاتحاد السوفيتي السابق إلى انهيار القاعدة الصناعية هناك. وتحولت روسيا، التي كانت قوية يومًا ما، إلى حد كبير إلى اقتصاد قائم على الموارد الطبيعية، اقتصاد يعادل تقريبًا حجم الاقتصاد الإسباني وتديره مجموعة صغيرة من الأوليغارشيين الذين استشاطوا غضبًا حين رأوا كيف أبعد الغرب بلادهم عن الشيوعية. وقد هيأ هذا الأمر الظروف لصعود بوتين ولما تلاه من أحداث.
ولكن ماذا يمكن القول عن النظرية التي تدعي قدرة الأسواق على التمتع بالكفاءة؟ لقد استند الاقتصاديون المحافظون إلى فكرة “اليد الخفية” (Invisible hand) لآدم سميث، بيد أنهم تجاهلوا المحددات والشروط التي وضعها لهذه الفكرة. ووصلت مساعي المنظرين الاقتصاديين لإثبات كفاءة الأسواق التنافسية إلى طريق مسدود. فهذه الفكرة لم تكن صحيحة إلا في ظل ظروف محدودة للغاية، ظروف شديدة التقييد إلى درجة استحالة تحققها في أي اقتصاد. وفي الحقيقة، أدت الجهود المبذولة لإثبات كفاءة السوق إلى إبراز قيود السوق بشكل أوضح، وهو ما أُطلق عليه اسم “فشل السوق” (Market failure).
ويشمل هذا الفشل الجوانب التالية: المنافسة المحدودة (حيث تتمتع معظم الشركات بالقدرة على تحديد أسعارها الخاصة)؛ والأسواق المفقودة (Missing markets) (على سبيل المثال، عدم قدرتنا على شراء تأمين لتغطية العديد من المخاطر التي نواجهها)؛ والمعلومات غير المكتملة (حيث يجهل المستهلكون جودة وأسعار جميع السلع في السوق، ولا تلم الشركات بمواصفات موظفيها المحتملين، ولا يدرك المقرضون مدى احتمالية سداد المقترضين لقروضهم، وما إلى ذلك من مسائل). لقد كان الاقتصاديون المحافظون، أمثال فريدمان، مخلصين لأيديولوجيتهم لدرجة أنهم لم يكونوا على استعداد لتقبل هذه النتائج الجوهرية لنظريتهم.
أذكر أنني ألقيت محاضرة في جامعة شيكاغو في أواخر الستينيات، وأجريت هناك حوارًا مع فريدمان. تحدثت في تلك المحاضرة عن فشل الأسواق في الإدارة الفعالة للمخاطر، وهي النتيجة التي توصلت إليها في سلسلة من أبحاثي، والتي لم تُدحض طيلة نصف القرن الذي مر على كتابتها. استهل فريدمان حواري معه بادعاء أنني مخطئ وأن الأسواق تتسم بالكفاءة. فطلبت منه أن يطرح اعتراضه على الأدلة التي قدمتها. لكنه اكتفى بتكرار ادعائه وتأكيد إيمانه بالسوق مجددًا. فلم يُفضِ حوارنا إلى أية نتيجة.
لقد تنظّر هايك في هذا الصدد قبل فريدمان، غير أن حجته كانت أكثر دقة من نواحٍ عديدة. فقد كان هايك أشد تأثراً بالتفكير التطوري (Evolutionary thinking)، وكان يرى أن صراع البقاء بين الشركات يجعل الشركات “الأكثر صلاحية” (وهي الشركات الأكثر كفاءة ونجاحاً في تلبية احتياجات المستهلكين) تتفوق على منافساتها. بيد أن تحليله لم يكن متكاملاً، بل اقتصر على الأمل (أو الإيمان) بأن العمليات التطورية ستسفر عن نتائج مرغوبة.
وقد أدرك داروين (Darwin) نفسه أن الأمر قد لا يسير على هذا النحو بالضرورة. إذ أفضت تجاربه في جزر غالاباغوس (Galápagos) إلى نتائج تطورية متباينة تماماً، بل وغريبة نوعاً ما في بعض الأحيان. ونحن نعلم اليوم أن العمليات التطورية لا تتجه نحو غاية محددة. وما يعنيه هذا في علم الاقتصاد هو عدم وجود أي افتراض مسبق يضمن تحقيق الكفاءة والديناميكية الاقتصادية الشاملة على المدى الطويل.
بل إن العكس هو الصحيح. وما أوجه القصور المعروفة التي فصّلتُ إخفاقاتها الكبرى في الفقرات السابقة، إلا أوضح الأمثلة التي تنقض هذا الافتراض. فالانتقاء الطبيعي (Natural selection) لا يؤدي بالضرورة إلى إقصاء الأقل كفاءة. وفي حالات الركود الاقتصادي، غالباً ما تكون الشركات التي تنهار بنفس مستوى كفاءة الشركات الصامدة، ويكون سبب انهيارها الوحيد هو تحملها لديون أكبر.

كان فريدمان وهايك خطيبين مفوهين، وطرحا حججاً مقنعة في ظاهرها. وتكمن نقطة قوة الاقتصاد القائم على الرياضيات الحديثة في اعتماده قدراً أكبر من الدقة في افتراضاته وتحليلاته، غير أن هذا يمثل نقطة ضعفه أيضاً؛ لأن هذه الدقة تستوجب التبسيط، وهذا التبسيط يجعلنا نتجاهل التعقيدات الجوهرية.
وكما ذكرت، من الواضح أن المنظرين الاقتصاديين الذين يقدمون تنظيراتهم ضمن التقليدين؛ المتمحور حول التوازن (Equilibrium-based) (كفريدمان) والمتمحور حول التطور (Evolution-based) (كهايك)، يقدمون تحليلات قاصرة و/أو غير صحيحة. لقد تنبأت النظرية الاقتصادية بأن الأسواق غير المقيدة ستصبح عديمة الكفاءة، وغير مستقرة، واستغلالية. ففي غياب التدخل الكافي من الدولة، ستقع هذه الأسواق تحت هيمنة شركات تُسفر قوتها السوقية (Market power) عن تفاوتات هائلة. وتتسم هذه الأسواق بقصر النظر، وتعجز عن إدارة المخاطر إدارةً سليمة. كما أنها تلحق الضرر بالبيئة، وعلى عكس ما يزعمه فريدمان، فإن تعظيم القيمة للمساهمين (Shareholder value) لا يفضي إلى تعظيم رفاهية المجتمع.
وقد أكد منتقدو الأسواق غير المقيدة صحة هذه التنبؤات. بيد أن هايك وفريدمان لم يتمكنا من إدراك هذا الأمر إدراكاً صحيحاً في أبحاثهما الاقتصادية على امتداد ثلاثة أرباع القرن، والمؤسف أنهما لم يفلحا حتى في اقتراح منهجية سليمة للبحث في هذه المسألة. غير أنهما كانا بارعين جداً في السجال والجدال، وكان لأفكارهما -ولا يزال- تأثير عميق.
فلماذا سقط هؤلاء المفكرون الثاقبو البصيرة في خطأ فادح كهذا؟ الإجابة يسيرة؛ لقد قارب فريدمان وهايك علم الاقتصاد من منظور أيديولوجي وليس من منظور محايد وموضوعي. فقد سعيا للدفاع عن الأسواق غير المقيدة وعن علاقات القوة القائمة، وهي ذات العلاقات التي تنعكس في توزيع الدخل والثروة.
لم يرغبا حقاً في فهم آلية عمل الرأسمالية. فكانا ينطلقان من افتراض مفاده أن الأسواق تتسم دوماً في جوهرها بتنافسية عالية، وأنه لا توجد شركة تمتلك قوة تحديد السعر، في حين كان من الجليّ أن ثمة أسواقاً شديدة الأهمية تفتقر إلى التنافسية. وفي معظم أعمالهما، انطلقا من فرضية توافر بيانات سوقية كاملة، أو على الأقل أن الأسواق تتسم بالكفاءة المعلوماتية (Informationally efficient)، وأن الأفراد المطلعين ينقلون فوراً كل المعلومات اللازمة للأفراد غير المطلعين دون أدنى تكلفة، وأن هذه المعلومات المُجمّعة تنعكس في الأسعار.
كانت هذه الافتراضات بمثابة افتراضات جاهزة أتاحت لهما استنتاج النتائج التي ينشدانها حول كفاءة اقتصاد السوق. كما مال الاثنان إلى الاستسهال من زاوية أخرى، حيث افتقرا إلى الأدوات الرياضية الضرورية لتحليل السوق في ظل المعلومات غير المكتملة. ولكن حين أُجريت تحليلات بالاستعانة بأدوات أكثر تطوراً أثبتت تعذّر تمتع الأسواق بالكفاءة المعلوماتية، تجاهل هذان العالمان وأقرانهما من ذوي التفكير المماثل تلك التحليلات. فلم يرغبوا في إشغال أنفسهم بتحليلات قد تفضي إلى نتيجة تتصادم مع ولائهم الراسخ للسوق.
كان فريدمان وهايك خادمين فكريين للرأسماليين. وكانا يبتغيان تقليص دور الدولة وتحجيم العمل الجماعي. وقد أنحيا باللائمة على الدولة في الكساد الكبير (بسبب السياسة النقدية الضعيفة)، وكانا يُحملان الدولة وزر أي إخفاق اقتصادي آخر. وكانا يزعمان أن تدخل الدولة في الأسواق الحرة يمهد الطريق نحو الاستبداد والتسلط (Authoritarianism)، منكرين بذلك الواقع التاريخي للظروف الاقتصادية التي أفضت إلى بزوغ الفاشية والشيوعية.
فالدولة بالغة الصغر -لا الدولة الضخمة جداً-، أي الدولة التي تعجز عن التحرك بفعالية كافية إزاء المشكلات الجوهرية لعصرها، هي التي توفر بيئة خصبة لظهور الشعبوية (Populism)، وقد تبين مراراً وتكراراً أن مثل هذه الدولة تدفع المجتمع نحو مسار الاستبداد.
الهوامش:
هذه المقالة مقتبسة من كتاب “الطريق إلى الحرية: الاقتصاد والمجتمع الصالح” (The Road to Freedom: Economics and the Good Society) الصادر عام 2024 للكاتب جوزيف ستيغليتز. نُشرت في 24 أبريل 2024 تحت عنوان “بقاء الأثرى: جوزيف إي. ستيغليتز عن الإخفاقات الخطيرة للنيوليبرالية” (Survival of the Wealthiest: Joseph E. Stiglitz on the Dangerous Failures of Neoliberalism) على موقع ليتيراري هاب (Literary Hub). وصدرت لأول مرة باللغة الفارسية تحت عنوان “جوزيف ستيغليتز: النيوليبرالية كانت أشبه بـ الكذبة الكبرى لهتلر” في العدد الثاني والثلاثين من مجلة “ترجمان” بترجمة بهناز دهكردي. ونشرها موقع ترجمان الإلكتروني في 19 يناير 2025 (29 دي 1403) بنفس العنوان.
جوزيف ستيغليتز (Joseph E. Stiglitz) عالم اقتصاد حائز على جائزة نوبل، ومؤلف لكتب عدة، منها: “الناس والسلطة والأرباح: رأسمالية تقدمية لعصر من السخط” (People, Power, and Profits: Progressive Capitalism for an Age of Discontent) الصادر في 2019، و”خيبة أمل في العولمة مجددًا: مناهضة العولمة في عصر ترامب” (Globalization and Its Discontents Revisited: Anti-Globalization in the Age of Trump) الصادر في 2017، و”ثمن انعدام المساواة؛ السقوط الحر” (The Price of Inequality; Freefall) الصادر في 2012. تولى ستيغليتز منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في عهد الرئيس بيل كلينتون، وقد اختارته مجلة التايم (Time) ضمن قائمة أكثر مائة شخصية تأثيرًا في العالم. وهو الآن أستاذ في جامعة كولومبيا وكبير الاقتصاديين في معهد روزفلت (Roosevelt Institute).
رابط المقال:
No Comment! Be the first one.