مهما كنتم حذرين، فإن الأمر يحدث لا محالة: يجف الخبز، وتتعفن الفواكه في الثلاجة، وتصبح بقايا طعام الغداء أو العشاء غير صالحة للاستخدام، أو تنتهي صلاحية الحليب واللبن. تشير إحدى الدراسات إلى أن كل أسرة في العالم تتخلص في المتوسط من 74 كيلوغرامًا من الطعام سنويًا. لكن هذه مجرد بداية القصة.

فمستوى هدر الطعام في سلسلة التوريد والتوزيع أعلى بكثير، وهذه المعضلة موجودة تقريبًا في جميع المجتمعات المعاصرة. لماذا عجزت المجتمعات الحديثة، على عكس المجتمعات التقليدية، عن السيطرة على هدر الطعام؟
الأجزاء الصالحة للأكل من الحيوان أو النبات. وقد لاحظ الباحثون أن أفراد قبيلة الماساي (Maasai) الرعوية في شمال تنزانيا كانوا يستشيطون غضبًا لمجرد التفكير في التخلص المتعمد من الطعام، ويصفون من يفعل ذلك بـ “المجنون”. بل إن
بعضهم كان يعتبر هذا الفعل أسوأ من القتل، لأن القاتل يزهق روح شخص واحد، بينما هدر الطعام قد يودي بحياة الكثيرين.
تتبنى الدول الصناعية نظرة مختلفة تمامًا تجاه النفايات. فقد قدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (United Nations Environment Programme) أن 17% من الأغذية المنتجة في العالم تُهدر، وتتلف نسبة مشابهة تقريبًا، مما يعني أن قرابة ثلث الغذاء المنتج لا يُستهلك. يبلغ متوسط نصيب الفرد من النفايات المنزلية عالميًا 74 كيلوغرامًا في السنة، وهذا الرقم متقارب تقريبًا في البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط أو المرتفع.
وبصرف النظر عن هدر الطعام (Food waste)، هناك أيضًا معضلة الفاقد من الغذاء (Food loss): وهي المنتجات الزراعية والحيوانية المخصصة للاستهلاك البشري والتي يتم التخلص منها قبل وصولها إلى منافذ البيع بالتجزئة. قد تنجم هذه المشكلة عن عدم حصاد المحصول، أو سوء التخزين، أو تلف المحصول أثناء النقل، أو مجرد كساده وفساده بسبب غياب المشترين.
خلال العقود الأخيرة، تحول هدر الطعام والفاقد منه بشكل متزايد إلى قضية أخلاقية بالغة الأهمية في جميع أنحاء العالم. ويتمثل أحد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (Sustainable Development Goals) في “خفض نصيب الفرد من هدر الطعام العالمي على مستويات البيع بالتجزئة والمستهلكين إلى النصف”، وتهدف إلى جانب ذلك إلى “الحد من الفاقد من الغذاء في سلاسل الإنتاج والتوريد”.

يرى الكثيرون أن الحد من الهدر ضروري لتأمين الغذاء للعالم. على سبيل المثال، يستهل معهد الموارد العالمية (World Resources Institute) تقريره حول هدر الطعام والفاقد منه بالتساؤل: “كيف سيتمكن العالم من إطعام قرابة 10 مليارات نسمة؟”، ويوضح أن خفض هدر الطعام إلى النصف “سيقلص الفجوة بين كمية الغذاء المطلوبة في عام 2050 وكمية الغذاء المتاحة في عام 2010 بأكثر من 20%”. ورغم ذلك، فإن هذه الرؤية تثير التساؤلات. ففي عام 1961، كان العالم ينتج أقل من 2200 سعرة حرارية يوميًا لكل فرد، وهي كمية لم تكن تكفي على الإطلاق لتلبية احتياجات الرجال والنساء -الذين يحتاجون إلى 2500 سعرة و2000 سعرة حرارية يوميًا على التوالي. ولكن بحلول عام 2020، أصبح العالم ينتج غذاءً يفوق حاجة سكانه: حوالي 3000 سعرة حرارية يوميًا لكل فرد. وحتى مع احتساب كمية الطعام التي نهدرها، يتوفر غذاء كافٍ لجميع البشر في العالم. ويُعد سوء التوزيع وغلاء أسعار المواد الغذائية من العقبات الأكبر التي تحول دون التغذية السليمة. غير أن المجاعة، وإن لم تكن معضلة اليوم، قد تصبح مشكلة مؤرقة في المستقبل القريب. ومع التزايد المستمر لسكان العالم، وتدهور المناخ، وعدم الاستقرار الجيوسياسي الذي ألحق أضرارًا بالزراعة العالمية بالفعل، سنضطر قريبًا لاستهلاك كل ما ننتجه لتجنب المجاعة.
في الوقت الراهن، يترك هدر الطعام آثاره الأشد خطورة على أزمة المناخ. ويقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن 8 إلى 10% من انبعاثات الغازات الدفيئة (Greenhouse gas emissions) تنجم عن الأغذية غير المستهلكة. وبحسب البرنامج، “لو كان هدر الطعام والفاقد منه دولة، لكانت ثالث أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة”. ويؤدي هدر الطعام في البلدان الأشد فقرًا إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، ويسهم في تراجع التنوع البيولوجي (Biodiversity) في جميع أنحاء العالم، وذلك لزراعة مساحات شاسعة من الأراضي دون أن تسد رمق أحد في النهاية. يتفق أي مراقب مطلع على ضرورة تقليص هدر الطعام والفاقد منه. ولكن ما العمل؟
عادةً ما يُنظر إلى هدر الطعام والفاقد منه على أنه أمر مستهجن، وهو أمر يمكن منعه بسهولة إذا ما أولى الناس اهتمامًا قليلًا بكمية مشترياتهم وطريقة استهلاكهم. أما في المستويات العليا من سلاسل التوريد، فيواجه المزارعون أيضًا تحديات تتعلق بهدر الطعام. أولًا، يواجهون متطلبات توريد وشراء صارمة. فمن المعتاد للمشترين -سواء كانوا وسطاء أو تجار جملة أو تجار تجزئة- إلزام المزارعين بتوفير كمية معينة من منتج ما كالأرز ليكون جاهزًا للبيع، دون أن يتحملوا أي التزام بشراء الكمية بأكملها. وتُعد هذه مشكلة كبرى بالنسبة للفواكه والخضروات الطازجة الموسمية. فقد تجبر المتاجر الكبرى (Supermarkets) مورديها على توفير عدد محدد من رؤوس الخس، ولكن إذا كان أسبوع الصيف رطبًا وباردًا، فقد يشتري الزبائن نصف الكمية فقط، ويبقى المزارع عالقًا بفائض محصوله غير المستخدم.
يتفنن تجار التجزئة في توليد الهدر سواء في بداية سلسلة التوريد أو في نهايتها. فهم لا يتركون فائض المنتجات عبئًا على الموردين فحسب، بل إنهم يشجعون المشترين أيضًا على شراء أكثر مما يستطيعون أكله من خلال الشراء بالجملة وتحديد أسعار تجعل شراء المزيد أكثر جدوى اقتصاديًا. وكما تقول سيلينا جول (Selina Juul)، الناشطة في مجال الحد من هدر الطعام، فإن التعبير الأدق هو “اشترِ اثنين، وخذ ثلاثة، وارمِ واحدًا”.
إن الهدر الذي يتسبب فيه تجار التجزئة بشكل مباشر ناجم جزئيًا عن الضعف في التنبؤ بالعرض والطلب والتخطيط لهما. إلا أن دور الفاعلين الرئيسيين في توليد الهدر واضح للعيان لدرجة تجعل من هذا الضعف مشكلة ثانوية. فالمشكلة الأهم تكمن في الأعراف والمواقف. تحب المتاجر الكبرى أن تملأ جميع رفوفها، لعلمها أن الرفوف نصف الممتلئة تبدو غير جذابة. ولذلك، طالما استوردت المتاجر الكبرى سلعًا تفوق حاجتها، وتفضل التخلص من الخبز غير المباع في نهاية اليوم على أن ينفد الخبز قبل ساعات من إغلاق المتجر. ونادرًا ما تُهدر المنتجات التي تتمتع بفترة صلاحية (Shelf life) طويلة، كالأرز والعدس والمعكرونة النيئة، على مستوى البيع بالتجزئة، ما لم تتعرض عبواتها للتلف. ويرتبط الجزء الأكبر من هدر الطعام في متاجر التجزئة بالأطعمة الطازجة، بما في ذلك الوجبات الجاهزة.
عندما يصل الطعام إلى المنزل، فإن هدره عادةً ما يعود إلى سوء الإدارة والافتقار إلى المهارة والمعرفة. تتخلص العديد من الأسر من محتويات الأطعمة القابعة في مؤخرة الخزائن بعد انقضاء تاريخ صلاحيتها. بيد أن التاريخ المطبوع على عبوات المواد الغذائية محافظ جدًا؛ فالمواد الجافة كالأرز والمعكرونة، إذا ما حُفظت بطريقة صحيحة في أوعية جافة ومحكمة الإغلاق، تظل صالحة للاستهلاك لفترة طويلة بعد تاريخ انتهاء صلاحيتها. وبالطبع، إذا كنتم لا تعرفون كيفية تمييز علامات التعفن (تغير اللون، أو الانتفاخ الملحوظ، أو الرائحة النفاذة، أو أي رائحة كريهة أخرى)، فقد يكون طهيها محفوفًا بالمخاطر.
يطهو الكثير من الناس يوميًا طعامًا يزيد عن حاجتهم، وينتهي بهم المطاف برمي جزء كبير منه. يُعد الأرز طبقًا جانبيًا شائعًا في المطاعم الآسيوية أو في الوجبات الجاهزة، وتقريبًا جميع المطاعم تقدم كميات أرز تفوق الحاجة. يعلم معظمنا أن إعادة تسخين الأرز قد تتسبب في تسمم غذائي بسبب بكتيريا العصوية الشمعية (Bacillus cereus). ولكن هذه البكتيريا لا تتكاثر إلا إذا تُرِك الأرز المطبوخ دافئًا لعدة ساعات على الأقل ثم أُعيد تسخينه. أما الأرز المطبوخ المبرد فهو آمن جدًا، وإذا تُرِك ليبرد ثم وُضِع في وعاء محكم الإغلاق داخل الثلاجة لعدة ساعات، فإن إعادة تسخينه آمنة تمامًا.
يُعزى الجزء الأكبر من النفايات المنزلية من الطعام إلى سوء تخطيط الوجبات. ومع ذلك، يمكن إرجاع جزء كبير منه أيضًا إلى الجهل الأساسي. لقد اعتدنا نحن على الوفرة، وفقدنا الروح المقتصدة التي تميزت بها الأجيال السابقة. ففي نظرنا، لا يمثل هدر الطعام مشكلة. ولكن إذا غيرنا طريقة تفكيرنا واعتبرنا رمي الطعام عيبًا، فسنوجه عاداتنا بشكل طبيعي نحو تقليل هدر الطعام إلى أدنى حد ممكن.
إذا كانت مشكلة هدر الطعام والفاقد منه معقدة إلى هذا الحد، فكيف تمكنت الدنمارك في غضون خمس سنوات فقط، أي من عام 2010 إلى عام 2015، من خفض هدرها الغذائي بنسبة 25%؟ كان هذا الإنجاز نتيجة لتغييرات صغيرة، لكن السبب الرئيسي فيه كان امرأة ووسائل التواصل الاجتماعي. تقول سيلينا جول إنها كانت مصممة غرافيك، و”لم تكن حتى مهتمة بالطعام”. وفي عام 2008، وبعد أن أصابها الفزع من حجم هدر الطعام في بلادها، أسست مجموعة على فيسبوك بعنوان “لا تهدروا الطعام”. لاقت مجموعتها انتشارًا واسعًا في غضون أسبوعين، وبعد ثلاثة أشهر فقط، تواصل معها متجر “ريما 1000” (REMA 1000)، وهو أكبر سلسلة متاجر للبيع بخصومات دائمة، وطلب مساعدتها في تقليص الهدر في متاجره. وكان من بين الإجراءات التي اتخذها المتجر إنهاء عروض الخصم على الكميات، مثل “اشترِ اثنين وخذ ثلاثة”. كما تحول إلى بيع الموز بالحبة، ولتحقيق ذلك وضعوا لافتات بجوار الموز كُتب عليها “خذني، أنا وحيدة”. ويفيد أحد تجار التجزئة أنه بعد هذه التغييرات، وبدلًا من رمي 80 إلى 100 موزة يوميًا، بات يتخلص من 10 موزات فقط تقريبًا.
ومؤخرًا، التقى وزير البيئة الدنماركي، وممثلون عن الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والفاتيكان، والأميرة ماري أميرة الدنمارك، بسيلينا جول. وفجأة وجدت جول نفسها الوجه الأبرز في وسائل إعلام مثل بي بي سي، وسي إن إن، ونيويورك تايمز. ويكيل الكثيرون المديح لها بوصفها السبب وراء الانخفاض الملحوظ في هدر الطعام في الدنمارك؛ وقد حصدت جول العديد من الجوائز، منها شخصية العام في الدنمارك لعام 2014، وجائزة مجلس الطبيعة والبيئة الاسكندنافي في عام 2013. تبدو هذه القصة واعدة، إلا أن فائدتها محدودة؛ لأن هذه الخطوة الكبيرة إلى الأمام كانت حالة استثنائية لم تتكرر. ولم تقدم أي دولة أخرى على خطوة مماثلة حتى الآن. تقول جول: “الدنمارك دولة صغيرة. نحن أشبه بقبيلة، وإذا كانت لديك فكرة جيدة، فمن السهل جدًا أن تُلاحظ، وإذا كان هدفك نبيلًا، فمن السهل جدًا أن تؤثر على الناس”. كان الشعب الدنماركي يتمتع بالفعل بحساسية عالية تجاه القضايا البيئية، وفي عصر يُعلي من شأن الشخصيات البارزة، كانت جول امرأة رائدة وذات جاذبية.
وعلى النقيض من ذلك، في المملكة المتحدة، يكافح تريسترام ستيوارت (Tristram Stuart) المثير للإعجاب ضد هدر الطعام، على الأقل بنفس الروح الدؤوبة، لكنه لا يحظى بجاذبية جول، ويتعامل مع مواطنين يبدو أنهم يعارضون حتى فرز نفاياتهم من أجل جمعها وإعادة تدويرها. وفي حين تبنت الحكومة الدنماركية هذا الهدف بشغف بالغ وتعكف على تصميم استراتيجية للحد من هدر الطعام، عين مايكل غوف (Michael Gove)، وزير البيئة البريطاني آنذاك في عام 2019، رجلًا صاحب شركة سياحية تقدم خدماتها للأثرياء كـ “بطل مكافحة الهدر والفائض الغذائي” في الحكومة البريطانية.
وربما ساعد جول أيضًا نأيها عن التطرف المناهض للرأسمالية والمناهض للشركات الذي تتسم به العديد من الحركات البيئية. فقد صرحت لشبكة سي إن إن قائلة: “تتظاهر الكثير من المنظمات البيئية غير الحكومية ضد العاملين في القطاع الصناعي، وهذا أسلوب خاطئ. فبهذا الصنيع لن يتعاونوا معك. نحن لا نحاسب أحدًا. بل نقول إننا جميعًا شركاء في المشكلة وفي الحل على حد سواء”.
ورغم العوامل التي صبت في مصلحة جول، يبدو أن الدنمارك لم تضف الكثير إلى نجاحها الأولي. وتقييم هذه المسألة صعب نظرًا لغياب المعايير المناسبة. وبحسب جول: “لا يُعد مجال هدر الطعام علمًا دقيقًا”.
يكتسب المثل القائل “ما يُمكن قياسه، يُمكن إنجازه” أهمية بالغة في مجال هدر الطعام. فمن أجل التصدي لهدر الطعام والفاقد منه، ينبغي وضع أهداف واضحة بشأن نسبة التخفيض المنشودة وامتلاك أدوات لقياس مسار التقدم، وعندها فقط ستكون إجراءاتكم ملائمة وفعالة. غير أن هذا الشرط الأساسي غير متوفر في معظم البلدان. فدولة كإنجلترا، على سبيل المثال، ألغت اللوائح التي كانت تُلزم الشركات الكبيرة والمتوسطة فيها بالإبلاغ عن حجم هدرها الغذائي.

وتحذر جول من أن “المعركة ضد معضلة هدر الطعام على وشك السقوط في هاوية التمويه الأخضر (Greenwashing)”. حتى الإجراءات التي تُتخذ بحسن نية قد تقع في هذا الفخ. وتشير جول إلى تطبيق هدر الطعام “تو غود تو غو” (Too Good to Go)، الذي قدمت له استشارات في بداياته. يقوم التطبيق على فكرة بسيطة: تعرض المتاجر والمطاعم والمقاهي في نهاية اليوم الطعام المتبقي للجمهور بسعر زهيد للغاية. وتتمثل الطريقة الأكثر شيوعًا لذلك في تقديم “كيس سحري” تتجاوز قيمة مجموع الأطعمة التي بداخله بكثير المبلغ المدفوع. تبدو هذه الطريقة رائعة، ويمكن القول بثقة شبه تامة إنها قلصت الهدر. لكن جول تعتقد أن التطبيق لم يعد يهدف إلى توفير الطعام. تقول: “في الدنمارك، يمكنك حجز طعامك قبل يومين أو ثلاثة أو أربعة أيام. كيف للمتاجر أن تعرف مسبقًا بثلاثة أيام أنه سيفيض لديها خمسة أرغفة من الخبز؟ هذا سخف. لقد تحدثت مع العديد من المتاجر الكبرى والمخابز، ويقولون إنهم ‘يستخدمون التطبيق للإعلان عن تخفيضاتهم’. علاوة على ذلك، لديهم نصاب يومي محدد لبيع الكيس السحري”.
وهناك تساؤل هام حول مقدار هدر الطعام الذي نُقل إلى المستهلك بدلًا من الحيلولة دون وقوعه. فالأكياس السحرية تحتوي على عناصر يرغب الناس في بعضها ولا يرغبون في بعضها الآخر؛ بعضها يمكن استهلاكه فورًا، وبعضها يمكن تجميده لاستهلاكه لاحقًا. تقول جول: “ينتقل هدر الطعام ببساطة من سلة مهملات المتاجر الكبرى إلى سلة مهملاتك، وأنت من يدفع ثمنه”.
وتعتقد جول أن أي برنامج لتوزيع فائض الطعام لا يمكن أن يكون حلًا جذريًا، قائلة: “ينبغي تركيز جهودنا على الحيلولة دون إنتاج فائض الطعام من الأساس. فإذا ذهبت إلى متجر حتى قبل خمس دقائق من إغلاقه، ستجد كل ما تشتهيه متوفرًا على رفوفه. وإذا قصدت مطعمًا، خاصة في قاعات الطعام، فستلاحظ أنهم يعدون دائمًا طعامًا يزيد عن حاجتهم بنسبة 30%. فأسوأ كابوس يراود أي طاهٍ هو ألا يكفي الطعام جميع الزبائن. هذا هو إنتاج الفائض، وهنا تكمن المشكلة. الأمر ليس باليسير، نظرًا لوجود مصالح جمة على المحك – مصالح اقتصادية ومصالح سياسية”.
يُعد تحسين التغليف والتعبئة إحدى الطرق السهلة للحد من هدر الطعام. على سبيل المثال، كانت إحدى المبادرات التي اتخذتها شركة “ريما 1000” للحد من الهدر هي استخدام التغليف المزدوج لزيادة فترة صلاحية شرائح اللحوم المطبوخة، مثل اللحم الملفوف وصدر الدجاج، مما قلل من هدر اللحوم. وبالطبع، العيب الوحيد لذلك هو أنه يتطلب مزيدًا من التغليف، ويولد المزيد من النفايات والغازات الدفيئة. تنتج صناعة الغذاء اليوم كميات هائلة من مواد التغليف. ففي إنجلترا، تفوق القيمة المالية لصناعة التغليف قيمة إجمالي المحاصيل المحصودة من المزارع.

تجسد شرائح اللحوم المجمدة في “ريما 1000” مجموعة من المعضلات وتحليلات التكلفة والعائد المرتبطة بتغليف الأطعمة وهدرها. فالفواكه الغنية بالعصارة تسود بسرعة وتقل فرصة أكلها؛ وخضروات السلطة تدوم طازجة ومقرمشة لفترة أطول إذا حُفظت في أكياس بلاستيكية مفرغة من الهواء ومزودة بالنيتروجين؛ ويمكن حفظ شرائح النقانق المغلفة بتفريغ الهواء لعدة أشهر، بينما تتلف في غضون أيام قليلة إذا لم تكن كذلك. يتمثل طموحنا المثالي في تقليص الهدر والتغليف معًا، إلا أن تقليل أحدهما في الواقع العملي يؤدي إلى زيادة الآخر. وبناءً على دراسة سويدية: “غالبًا ما يُنظر إلى التغليف على أنه مصدر إزعاج بيئي، وهي قضية يمكن أن تطيح بفرصة تقليص هدر الطعام”.
يعتمد التصرف الصحيح على طبيعة كل منتج، وتُعد بعض طرق التغليف سيئة بشكل فادح ومجرد زينة. ويعتمد الإجراء السليم اعتمادًا كبيرًا على خصائص المادة الغذائية ومواصفات التغليف. في ذات الدراسة السويدية، وجد الباحثون أن الأثر البيئي لهدر الجبن يفوق الأثر الناجم عن تغليفه بـ 58 ضعفًا، في حين أن الأثر السلبي لصلصة الطماطم يبلغ ضعف أثر تغليفها فقط. وعلاوة على ذلك، فإن الجبن وصلصة الطماطم والأطعمة الأخرى التي شملتها الدراسة -كالخبز والحليب واللحوم- كان لها جميعًا بصمة بيئية (Environmental footprint) أكبر من تلك الخاصة بتغليفها. لذا، من الصحيح أن هذا القدر من التغليف يثقل كاهل موارد الأرض، ولكنه إذا استُخدم بشكل صحيح، فإنه يسهم في الحفاظ على الموارد ذاتها.
تتمثل إحدى الطرق البديهية لتقليص الآثار السلبية لمواد التغليف في إعادة تدويرها. غير أن هذا الأمر ليس باليسير أيضًا. فقد أدركت لويز نيكولز (Louise Nicholls)، حينما كانت تترأس قسم حقوق الإنسان والاستدامة الغذائية وتغليف الأغذية في شركة البيع بالتجزئة “ماركس آند سبنسر” (Marks & Spencer) في بريطانيا، صعوبة هذه المهمة. كانت شركة التجزئة هذه تسعى لتقليل استخدام التغليف الضروري إلى الحد الأدنى واستخدام عبوات قابلة لإعادة التدوير بنسبة 100% قدر الإمكان. غير أن “قابلية إعادة التدوير” لا تعني بالضرورة أنه سيتم “إعادة التدوير”. فالجزء الأكبر مما هو قابل لإعادة التدوير لا يتم تدويره، وعملية إعادة التدوير بحد ذاتها معقدة ولها آثارها البيئية الخاصة. وتتمثل المشكلة التالية في التنوع الهائل لمواد التغليف في صناعة الغذاء. قررت شركة “ماركس آند سبنسر” تقليص أنواع مواد تغليفها من حوالي 11 نوعًا إلى 3 أنواع لتسهيل عملية إعادة تدويرها. لكن المشكلة لم تُحل حتى مع هذا الإجراء. تقول نيكولز: “إذا أردنا الحديث عن التغليف، فعلينا أن نتطرق إلى امتلاكنا بنية تحتية معيبة لإعادة التدوير في إنجلترا”. لا ينبغي لنا أن نعتبر إعادة التدوير حلًا جذريًا، بل بالأحرى وسيلة للحد من الأضرار البيئية.
من الناحية النظرية، يمكن لسن التشريعات أن يساهم في تعزيز إعادة التدوير وتقليص استهلاك البلاستيك، ولكن نطاق ذلك ظل محدودًا للغاية حتى يومنا هذا. ففي عام 2022، فرضت الحكومة الإنجليزية ضريبة على التغليف البلاستيكي، وتقرر توجيه عائداتها للاستثمار في البنية التحتية لإعادة التدوير. لكن نيكولز تقول: “قررت الحكومة في اللحظة الأخيرة عدم تخصيصها لإعادة التدوير، وإيداعها مباشرة في الخزينة. هناك الكثير مما يمكن إنجازه، ولكننا بحاجة إلى تدابير أكثر تماسكًا وطويلة الأجل، إلا أنه يبدو في الوقت الحالي أن العديد من الأمور مؤقتة وقصيرة المدى فحسب”.
ما الذي يمكن أن يغير هذا الوضع؟ تعتقد جول أنه للانتصار في المعركة ضد هدر الطعام، لا بد أن يستمر الضغط من القاعدة إلى القمة. “إن الخطوة الأكثر فاعلية هي الاستمرار في توعية الناس بآثار الفاقد من الغذاء وهدره. فبمجرد أن يبادر البعض بالتحرك، سيلحق بهم بقية الناس والحكومات والشركات”. ورغم كل ذلك، لا يستطيع النشطاء ذوو النوايا الحسنة، والبائعون المثابرون، والطهاة الدقيقون حل مشكلة هدر الطعام والفاقد منه بمفردهم. وكما بينت الخطة الشاملة المؤلفة من عشر نقاط التي أعدها معهد الموارد العالمية، فإن تعقيد هذه المشكلة يقتضي اتخاذ إجراءات في مجالات متعددة. ومن أهم هذه الإجراءات الضرورية وضع استراتيجيات وطنية وإرساء شراكة بين القطاعين العام والخاص (Public-private partnership) في كل بلد. فالأمر الأول مطلوب في العديد من مجالات رسم السياسات الغذائية. فقضية الغذاء أسمى بكثير من أن تُترك رهنًا لإجراءات وقوانين متفرقة وموضعية. وكما أنه لا ينبغي لنا إلقاء مسؤولية إيجاد الحلول على عاتق الشركات التجارية، لا يجوز لنا أيضًا إعفاؤها من المسؤولية بالكلية.
إن قبيلة الماساي تقدم لنا دروسًا قيّمة بشأن لاأخلاقية رمي الطعام. تمامًا كما قدم الصينيون واليابانيون والكوريون دروسًا كثيرة لفرانكلين هيرام كينغ (Franklin Hiram King)، عالم الزراعة الأمريكي، في العقد الأول من القرن العشرين:

“كل ما هو صالح للأكل يُصبح طعامًا للإنسان أو الحيوانات الأليفة. وما لا يصلح للأكل أو يفسد يُستخدم كوقود. أما بقايا الأجساد، ورماد الوقود، والأقمشة البالية التي لا تصلح لأي غرض آخر، فتُعاد إلى التربة، ولكن قبل ذلك يُمنع تحللها في الهواء الطلق، وتُعالج بمزيج من الذكاء وبُعد النظر والصبر لمدة شهر، أو ثلاثة، أو حتى ستة أشهر، لتتحول بأكبر قدر ممكن من الفعالية إلى سماد أو علف للماشية”.
ومع ذلك، ثمة اختلاف جوهري بين المجتمعات الصناعية الحديثة والمجتمعات التقليدية. ففي المجتمعات الصغيرة، تبدو عواقب الهدر أكثر جلاءً، كما هو الحال بالنسبة لهوية من ينتجون هذا الهدر. أما في المدن الحديثة، فكل هذه الأمور مبهمة. فلا أحد يعلم من ألقى ماذا في سلة المهملات، ومن قام بكل التزام برمي بقايا طعامه في حاويات جمع النفايات أو صناديق التسميد. وبالمثل، تظل كمية هدر الطعام في مختلف الأسر غير معروفة. وفيما يتعلق بعواقب الهدر، فلا توجد صلة مباشرة بين رمي الطعام في مدينة وارينغتون بإنجلترا والمجاعة في هراري بزيمبابوي. علاوة على ذلك، يُعد إسهام الأطعمة المتخلص منها في زيادة الغازات الدفيئة ضئيلًا، مما يجعلها تغيب عن انتباه الكثيرين.
توضح لنا المجتمعات التقليدية أنه لكي تحظى الأعراف الأخلاقية بقبول المجتمع، فلا بد أن تنبع من قيم مشتركة يكون انتهاكها واضحًا للعيان. إلا أن هذه الظروف غير متوفرة في معظم أرجاء العالم. ولحسن الحظ، واستنادًا إلى تنامي الوعي والنشاط المناهض للهدر، يتضح أن القيم الاجتماعية قابلة للتغيير، وأحيانًا يحدث هذا التغيير بوتيرة سريعة للغاية. فالقيادة تحت تأثير الكحول فقدت طابعها الترفيهي وحُظرت في غضون بضعة عقود؛ وكذلك العنصرية التي كانت تُعد يومًا من حقائق الحياة القاسية، تحولت إلى جريمة يُعاقب عليها القانون. ومع تزايد وعي الناس بمعضلات هدر الطعام، يمكننا أن نتوقع تغيرًا سريعًا في المواقف الاجتماعية. تريني جول استطلاعًا للرأي يُشير إلى أن 94% من الشعب الدنماركي يعتقدون أن الاهتمام بمعضلة هدر الطعام اليوم أكبر مما كان عليه قبل 15 عامًا.
ولجعل الهدر أكثر وضوحًا، هناك بعض التدابير التي يمكن للمسؤولين والمجتمع المدني اتخاذها. يجب أن يتم سن القوانين بعناية فائقة، وإلا فإنها ستكون عديمة الجدوى في أحسن الأحوال، أو ستسفر عن عواقب غير مقصودة في أسوأ الأحوال. من حقنا أن نخشى التدخل غير المبرر للدولة في حياتنا الشخصية، ولكن لا ينبغي لأحد أن يعارض رقابة الدولة على السلوكيات التي تؤدي إلى أضرار جسيمة. فتمامًا مثل القيادة تحت تأثير الكحول، ورمي النفايات، وإحداث ضوضاء مزعجة، فإن إنتاج كميات مفرطة من الهدر يكبّد المجتمع تكاليف باهظة، ويجب أن يقابله فرض غرامات. وإذا ما اعتبرنا أنفسنا مخولين بإنتاج هدر يتجاوز ما هو في صالح مجتمعنا وكوكبنا، فهذا يعني أن ثمة خللًا جسيمًا في الأمر.
الهوامش:
كتب هذا المقال جوليان باجيني، ونُشر في 8 أكتوبر 2024 بعنوان «The scandal of food waste – and how we can stop it» على موقع صحيفة الغارديان، ونُشر للمرة الأولى في 10 آذر 1403.
هذا المقال مقتبس من كتاب “كيف يأكل العالم” (How the World Eats) للكاتب جوليان باجيني.
جوليان باجيني (Julian Baggini) هو فيلسوف جماهيري وخريج الفلسفة من كلية لندن الجامعية (UCL). وهو أيضًا خريج وباحث فخري في قسم الفلسفة بجامعة كينت. ومن بين كتبه يمكن الإشارة إلى كتاب (Freedom Regained: The Possibility of Free Will) الصادر عام 2015.
رابط المقال:
No Comment! Be the first one.