
حين أصبح الإستهلاك واجباً أخلاقياً: قبل القرن الثامن عشر، كان الحكام والحكماء متفقين على أمر واحد: استهجان الاستهلاك. لم يرغب السياسيون في أن يفرط الناس في الاستهلاك لأن موارد أي مجتمع كانت محدودة، كما دعا الحكماء الناس إلى تجنب المادية. لكن هذا المسار تغير تدريجياً؛ فلم يصبح الاستهلاك ضرورياً للنمو الاقتصادي فحسب، بل تحول إلى عمل أخلاقي، وحتى ديني، وأصبح حقاً مسلماً به وعلامة على المواطنة. كيف أصبح هذا التغيير الجذري ممكناً؟
فرانك ترينتمان، ذا أتلانتيك (The Atlantic) — في عام 1776، كتب آدم سميث بثقة في كتابه “ثروة الأمم”: “الاستهلاك هو الغاية والهدف الوحيد لجميع أنواع الإنتاج”. هذه المقولة لسميث مشهورة، لكنها في الواقع واحدة من المرات القليلة التي أشار فيها صراحة إلى هذا الموضوع. إن مكان الاستهلاك شاغر بوضوح في “ثروة الأمم”، ولم يتناول سميث ولا تلاميذه المباشرون الاستهلاك كفرع مستقل من فروع الاقتصاد السياسي.
في أحد كتبه السابقة بعنوان “نظرية المشاعر الأخلاقية” (The Theory of Moral Sentiments)، وضع سميث يده على تلك الدوافع الاجتماعية والنفسية التي تحث الناس على مراكمة الأشياء والأدوات. فبرأيه، يملأ الناس جيوبهم بـ “أشياء صغيرة لتيسير العمل”، ثم يشترون معاطف أكبر بجيوب أكثر لحمل المزيد من الأشياء. إن الملقط، والصندوق المزخرف، وغيرها من “الأشياء الجميلة عديمة الفائدة” ليس لها في حد ذاتها فائدة كبيرة. لكن النقطة المهمة، وفقاً لسميث، هي أن الناس يرونها “وسائل للسعادة”. ففي خيال الناس، تصبح هذه الأشياء جزءاً من نظام متناغم، وتجعل مباهج الثروة تبدو “فخمة وجميلة وأصيلة”.

ان هذا التقييم الأخلاقي خطوة كبيرة نحو فهم أكثر إتقانًا للاستهلاك، لأنه تحدى تلك الذهنية السلبية التي كانت لها جذور في العصور القديمة. فمن أفلاطون في اليونان القديمة، مروراً بالقديس أوغسطين وآباء الكنيسة، وصولاً إلى كُتّاب عصر النهضة الإيطالية، تحدث المفكرون بانتظام في ذم السعي وراء الأشياء المادية، معتقدين أن هذا الفعل شرير وخطير لأنه يفسد الروح البشرية، ويدمر الجمهورية، ويقوض النظام الاجتماعي. وكان بريق الأشياء الفاخرة “Luxus” (الكلمة اليونانية لـ “الترف”) نابعاً من “Luxuria” (التي تعني الإفراط والشهوانية).
قطعت كلمة “استهلاك” (Consumption) نفسها مساراً صعباً حتى أصبحت شائعة. الكلمة مشتقة في الأصل من الكلمة اللاتينية consumere، ودخلت اللغة الفرنسية في القرن الثاني عشر، ومنها انتقلت إلى الإنجليزية واللغات الأوروبية الأخرى. كان معناها الإهدار وإنهاء الطعام والشموع والموارد الأخرى. (وبهذا المعنى، كان الجسم أيضاً قابلاً للاستهلاك؛ ولهذا السبب كان يُطلق على “المرض الهُزالي” أي مرض السل في الإنجليزية اسم “Consumption”). وازداد الأمر تعقيداً بوجود كلمة لاتينية أخرى ذات لفظ مشابه وهي consummare، كما في الكلمات الأخيرة للمسيح على الصليب: “consummatum est” والتي تعني “قد أُكمِل” أو “انتهى”. وهكذا اكتسبت الكلمة معنى الإنهاء، والإهدار، والختم.
ربما كانت تلك المعاني مصدر إلهام للحكومات ما قبل الحداثة لتنظيم وتعديل استهلاك المواطنين. فبين القرنين الرابع عشر والثامن عشر، وضعت معظم الدول الأوروبية (ومستعمراتها الأمريكية) قوائم تزداد طولاً يوماً بعد يوم لـ “قوانين النفقات” (Sumptuary laws)، والتي كانت محاولة لاستئصال موجة الموضة والزينة. صرح مجلس شيوخ البندقية في عام 1512 بأن هدية الزفاف يجب ألا تتجاوز ست ملاعق وست شوك؛ كما مُنعت الصناديق والمرايا المطلية بالذهب تماماً. وبعد قرنين من الزمان، كانت النساء في الولايات الألمانية اللواتي يرتدين مناديل عنق كتانية يتعرضن للغرامة أو السجن.
كانت هذه النظرة العقابية والمقيدة لعالم السلع ذات مغزى تماماً في نظر الحكام والأخلاقيين. ففي حقبة ما قبل النمو المستمر، كانت المجتمعات تمتلك أموالاً وموارد محدودة. والمال الذي يُنفق على سلع جديدة من أراضٍ بعيدة (مثل الكتان الهندي) كان مالاً يخرج من الخزانة المحلية ومن يد المنتجين المحليين؛ وكان هؤلاء المنتجون، والأرض التي يملكونها، يُعتبرون مصدر القوة والفضيلة. وفي المقابل، كان يُنظر للمستهلكين على أنهم غير مخلصين ومُبذرين للثروة.
في عام 1776، عندما طرح آدم سميث تقييمه الجديد لهذه المجموعة، كان هناك تحول يجري على قدم وساق، وكان بُعده المادي لا يقل أهمية عن بُعده الثقافي. فبين القرنين الخامس عشر والثامن عشر الميلاديين، كان عالم السلع يتوسع بصور درامية وغير مسبوقة، ولم تكن هذه الظاهرة تقتصر على أوروبا. فقد شهدت الصين في أواخر حكم سلالة مينغ عصراً ذهبياً للتجارة تميز بوفرة الأكواب الخزفية، والأواني المطلية، والكتب. وفي إيطاليا عصر النهضة، لم تكن قصور النبلاء وحدها، بل حتى منازل الحرفيين، تمتلئ يوماً بعد يوم بمزيد من الملابس، والأثاث، وأدوات المائدة، وحتى اللوحات والآلات الموسيقية.
لكن هذه الحركة اشتد عودها في هولندا وبريطانيا. ففي الصين، كانوا يقدرون قِدم الأشياء (الأنتيكات)؛ وفي إيطاليا، كان الكثير منها يتم تداوله كهدايا أو سلع نفيسة. أما في المقابل، فقد أولى الهولنديون والإنجليز القيمة المضافة للسلع الجديدة مثل الكتان الهندي، والسلع الجذابة من البلدان الغريبة مثل الشاي والقهوة، والمنتجات الجديدة مثل الأدوات الصغيرة. وهذا ما جذب انتباه سميث.
حين أصبح الترف قوة حضارية لا رذيلة: في ثلاثينيات القرن السابع عشر، أشاد كاسبار بارلايوس (العلامة الهولندي الموسوعي) بالتجارة لأنها تعلم الناس تقدير الأشياء الجديدة، كما عززت الحجج الدينية تلك الحجج العلمانية في الدفاع عن عرض المنتجات الاستهلاكية الجديدة (سواء عن طريق الابتكار أو الاستيراد). فلو لم يُرد الله للناس اكتشاف واستخدام المعادن والنباتات في الأراضي الغريبة، هل كان سيخلق كوكباً زاخراً بها؟ كتب روبرت بويل، العالم المشهور بتجاربه على الغازات، أن الله لابد وأن كان لديه سبب لتزيين البشر بـ “كثير من الرغبات”. وبات يُقال الآن إن السعي وراء الأشياء والرغبات الجديدة، لا يصرف الناس عن طريق المسيحية الحقة فحسب، بل هو تنفيذ لإرادة الله. وفي منتصف القرن الثامن عشر، أوصل ديفيد هيوم (الصديق المقرب لسميث) الدفاع عن “الترف المعتدل” إلى ذروته؛ إذ لم يعد يُنظر إليه كإسراف أو مدمر للمجتمع، بل نشأ تصور بأنه يجعل الأمم أكثر ثراءً وتحضراً وقوة.
مع وصول الأمور إلى أواخر القرن الثامن عشر، كانت المكونات الأخلاقية والتحليلية المتعددة لنظرية إيجابية حول الاستهلاك قد ظهرت وشاعت. لكن الثورة الفرنسية وردود الفعل التي تلتها حالت دون اجتماع هذه المكونات. ففي نظر العديد من الراديكاليين والمحافظين، كانت الثورة الفرنسية تحذيراً خطيراً مفاده أن الإفراط وحياة الترف قد قوضا الفضائل والاستقرار الاجتماعي. واعتُبر الرد المناسب هو التقشف ونوع جديد من الحياة البسيطة.
علاوة على ذلك، لم يخطر ببال الكُتّاب الاقتصاديين في تلك الحقبة إمكانية وجود شيء من قبيل النمو المستدام. لذلك كان من السهل اعتبار الاستهلاك عملاً مدمراً يبدد الموارد أو يعيد توزيعها في أحسن الأحوال. وحتى عندما كان الكُتّاب يتلمسون طريقهم نحو فكرة مستوى معيشي أعلى للجميع، فإنهم لم يطلقوا اسم “مستهلك” على مجموعة مختلفة من الناس. وأحد الأسباب هو أنهم، بخلاف اليوم، لم يكونوا قد فصلوا بعد السلع والخدمات التي تشتريها الأسر، بل غالباً ما أدرجوا الاستخدام الصناعي للموارد تحت مسمى الاستهلاك. يقول جان بابتيست ساي، الاقتصادي الفرنسي المعروف اليوم بـ “قانون ساي” (العرض يخلق الطلب الخاص به)، وكان واحداً من الكتاب القلائل الذين تناولوا الاستهلاك في حد ذاته في أوائل القرن التاسع عشر -وفقاً لعنوان أحد فصول كتابه “رسالة في الاقتصاد السياسي”- إنه أدرج “الاستهلاك الإنجابي/الإنتاجي” للفحم والخشب والمعادن والسلع الأخرى في المصانع جنباً إلى جنب مع الاستهلاك الشخصي النهائي للعملاء.
في أماكن أخرى، لم يكن الاقتصاديون مهتمين كثيراً بصياغة نظرية موحدة حول الاستهلاك. وبصفته الوجه الأخلاقي البارز في إنجلترا العصر الفيكتوري ومناصر الضعفاء والمستضعفين، كان جون ستيوارت ميل بطبيعة الحال مؤيداً لحماية المستهلكين غير المنظمين في مواجهة المحتكرين المنظمين. لكنه لم يولِ اهتماماً كبيراً للاستهلاك في كتاباته المهنية. بل إن ميل أنكر حتى إمكانية أن تكون هذه المقولة فرعاً قيماً للتحليل الاقتصادي. ففي عام 1844 أعلن: “نحن لا نعرف حتى الآن أي قوانين لاستهلاك الثروة تجعله موضوعاً علمياً مستقلاً. لا يمكن لمثل هذه القوانين أن تكون شيئاً آخر غير قوانين المتعة البشرية”. وكان كل من يقدم تحليلاً متميزاً للاستهلاك يُعتبر مذنباً لأنه يُظن به الاعتقاد في إمكانية “نقص الاستهلاك” (Underconsumption)، وهي فكرة بدت لميل مشبوهة وخاطئة وخطيرة.
لذا وقع عبء الدفاع عن المستهلكين على عاتق كاتب وليبرالي فرنسي محبوب يُدعى فريدريك باستيا. يُروى أنه قال وهو على فراش الموت عام 1850: “يجب أن نتعلم النظر إلى كل شيء من منظور المستهلك”. ربما كان هذا القول ينبئ بالمستقبل، لكنه لم يكن ليُحسب كنظرية، لأن باستيا كان يعتقد أن الأسواق الحرة ستتولى زمام الأمور في النهاية. وبالنسبة لشخص مثل ميل، الذي كان قلقاً بشأن العدالة الاجتماعية والحالات التي لا تعمل فيها الأسواق بكفاءة، فإن هذا التعصب لمبدأ “دعه يعمل” (Laissez-faire)، لم يكن علامة على اقتصاد خاطئ فحسب، بل علامة على ممارسة سياسية خاطئة أيضاً.

صول الأمور إلى منتصف القرن التاسع عشر، تشكل تباين غريب بين الاتجاهات المادية والفكرية. فقد توسعت الأسواق الاستهلاكية بشكل مذهل خلال القرنين الماضيين. لكن في علم الاقتصاد، كان المستهلك لا يزال شخصية هامشية تجذب الانتباه أساساً في حالة فشل السوق (على سبيل المثال، عندما تتعطل المرافق الحضرية أو يتم الاحتيال على عملائها)، ولكن لم يُولَ اهتمام كبير لهم بالنظر إلى الدور المتزايد الأهمية الذي كان مقرراً لهم لعبه في تنمية الاقتصادات الحديثة.
أخيراً، لحقت النظرية بالأحداث الواقعية في عام 1871، عندما نشر ويليام ستانلي جيفونز كتابه “نظرية الاقتصاد السياسي”. كتب قائلاً: “يجب أن تبدأ نظرية الاقتصاد بنظرية صحيحة حول الاستهلاك”. وجادل بأن ميل وجماعته لم يفهموا الأمر من أساسه. ففي نظرهم، كانت قيمة السلع تابعة لسعرها، مثل الملابس والجهد المبذول في صنع معطف. نظر جيفونز للأمر من الزاوية المقابلة؛ القيمة لا يخلقها المُنتج، بل المستهلك: قيمة المعطف تعتمد على مدى رغبة الفرد فيه.
علاوة على ذلك، لم تكن هذه الرغبة ثابتة بل متغيرة، وتظهر تبعية لـ “دالة المنفعة”. فكل سلعة لها “منفعة نهائية (أو حدية – Marginal)”، حيث إذا أضيف إليها شيء فإن منفعتها تصبح أقل مما سبق لأن شدة الرغبة في النسخة النهائية تنخفض؛ ويمكن فهم هذا المفهوم الاقتصادي الأساسي بصورة حدسية من خلال مثال الكعكة: قد يكون للقطعة الأولى من الكعكة طعم مذهل، لكن بعد القطعة الثالثة أو الرابعة تشعر بالغثيان. في تلك الفترة نفسها، كان كارل مينجر في النمسا وليون والراس في سويسرا يطوران أفكاراً مماثلة. وقام هؤلاء الاثنان إلى جانب جيفونز ببناء أسس جديدة تماماً لدراسة الاستهلاك والاقتصاد. وُلدت “المدرسة الحدية” (Marginalism)، وحينها أصبح بالإمكان حساب منفعة أي سلعة بناءً على دالة رياضية.
الإستهلاك بين الإصلاح الإجتماعي و الوفرة الأمريكية: كان آلفرد مارشال هو من حول الاقتصاد، بناءً على هذه الأسس، إلى تخصص أكاديمي رصين في جامعة كامبريدج في تسعينيات القرن التاسع عشر. قال إن الحق كان تماماً مع جيفونز: المستهلك هو “المنظّم النهائي للطلب”. لكن برأيه، كان جيفونز يركز بشكل غير لائق على “الرغبات”. كتب مارشال أن الرغبات هي “حكام الحياة بين الحيوانات الدنيا”، وأن ما يميز حياة الإنسان هو “تغير أشكال الجهد والنشاط”. وادعى أن الاحتياجات والرغبات تتغير بمرور الوقت، وبالتالي تتغير الجهود والوسائل المخصصة لإشباعها. وكان يعتقد أن لدى البشر ميلاً طبيعياً لتحسين ذواتهم، وبمرور الوقت ينتقلون من الشرب والبطالة نحو الجهد البدني، والسفر، وتقدير الفن.
في نظر مارشال، كان تاريخ الحضارة يشبه سلماً يصعده الناس للوصول إلى ذائقة وأنشطة أسمى. كانت هذه النظرة للطبيعة البشرية فيكتورية للغاية. وكانت تعكس تردده العميق تجاه عالم السلع، حيث اتفق في هذه النقطة مع نقاد الإنتاج الضخم مثل ويليام موريس (المصمم) وجون راسكين (الناقد الفني). كان لدى مارشال إيمان حماسي بالإصلاح الاجتماعي ورفع مستوى المعيشة للجميع. لكنه في الوقت نفسه كان ناقداً عميقاً للاستهلاك الجماهيري النمطي (Standardized). كان يأمل أن يتعلم الناس في المستقبل “شراء بضعة أشياء متقنة الصنع صُنعت بأيدي عمال يتقاضون أجوراً مرتفعة، بدلاً من شراء أشياء رديئة الصنع صنعها عمال يتقاضون أجوراً منخفضة”. وبهذه الطريقة، يصب تهذيب ذائقة المستهلكين في مصلحة العمال المهرة.
لم يكن تزايد الاهتمام بالاستهلاك مقتصراً على إنجلترا الليبرالية. ففي الإمبراطورية الألمانية، لفت الاستهلاك انتباه الاقتصاديين الوطنيين كمؤشر للقوة الوطنية: حيث جادلوا بأن الأمم ذات الطلب المرتفع تمتلك أكبر قدر من الطاقة والقدرة. ولكن ليس من المستغرب أن أول رواية شاملة عن المجتمع الاستهلاكي صيغت في الدولة التي كانت تتمتع بأعلى مستوى للمعيشة: الولايات المتحدة. في عام 1889، أعلن سيمون باتن (رئيس كلية وارتون للأعمال) أن البلاد دخلت “مرتبة جديدة من الاستهلاك”. فلأول مرة، وجد مجتمع لم يعد قلقاً بشأن بقائه المادي، بل يستفيد من فائض الثروة ويمكنه التفكير فيما سيفعله به. أصبح السؤال المحوري هو كيف ينفق الأمريكيون أموالهم ووقتهم، ومقدار ما يكسبونه من مال. كتب باتن أن للناس الحق في التمتع بالفراغ. لقد تغيرت المهمة: لم يعد من الضروري إخبار الناس بضبط النفس (الادخار أو التقشف)، بل يجب تنمية عادات لمزيد من المتعة والرفاهية.
لم تكن هذه مجرد وجهة نظر أكاديمية، بل كانت لها دلالات راديكالية حول كيفية استهلاك الناس وتفكيرهم في أموالهم ومستقبلهم. لخص باتن هذه الأخلاق الجديدة للاستهلاك لجمهور تجمع في كنيسة بفيلادلفيا عام 1913 قائلاً:
“أقول لطلابي أن ينفقوا كل ما لديهم وأن يقترضوا وينفقوا مرة أخرى… عندما تظهر كاتبة اختزال (Stenographer) تكسب ثمانية إلى عشرة دولارات أسبوعياً بملابس تكلف تقريباً كامل دخلها، فهذا ليس علامة على ضعفها الأخلاقي”.
بل على العكس تماماً، كما يقول، هذا “علامة على نموها الأخلاقي المتزايد”. فهذا يُظهر لصاحب العمل أنها طموحة. وأضاف باتن أن “فتاة عاملة حسنة الملبس… هي العمود الفقري للعديد من الأسر السعيدة التي تزدهر تحت سيطرتها على الأسرة”. غضب بعض الأفراد في الكنيسة التوحيدية (Unitarian)، وأكدوا أن “الجيل الذي تتحدث إليهم غارقون في الجريمة والجهل لدرجة أنهم لا يعيرونك انتباهاً”؛ أي أن هذا الجيل بحاجة إلى الانضباط، وليس إنفاق الائتمان. وسواء أعجبهم ذلك أم لا، كان المستقبل في صف آراء باتن الأكثر ليبرالية وسخاءً تجاه الاستهلاك.
لم يكن الاقتصاديون وحدهم من اكتشفوا الاستهلاك في أواخر القرن التاسع عشر. فقد كان الاقتصاديون جزءاً من حركة أوسع شملت الحكومات، والمصلحين الاجتماعيين، والمستهلكين أنفسهم. كانت تلك السنوات هي الأيام التي عجلت فيها السفن البخارية والتجارة والتوسع الإمبريالي بالعولمة، وبدأ العديد من العمال في المجتمعات الصناعية تدريجياً في الاستفادة من أغذية وملابس أرخص وأكثر تنوعاً. وتحول الانتباه الآن إلى “مستوى المعيشة”: وهو مفهوم جديد مهد الطريق لآلاف الأبحاث حول ميزانية الأسرة في مناطق مختلفة، من بوسطن إلى برلين ومومباي.
كانت الفكرة المحورية خلف هذه الأبحاث هي أن ما يؤمن رفاهية وسعادة الأسرة ليس دخلهم فحسب، بل عاداتهم الاستهلاكية أيضاً. ساعد الفهم الأفضل لكيفية إنفاق المال المصلحين الاجتماعيين في تعليم فن وضع الميزانية بحكمة. في فرنسا في أربعينيات القرن التاسع عشر، جمع فريدريك لو بلاي مجموعة مكونة من 36 مجلداً حول ميزانيات العمال الأوروبيين. وفي الجيل التالي، طبق تلميذه إرنست إنجل نفس الطريقة في ساكسونيا وبروسيا، مما جعل دراسة الإحصاء الاجتماعي ممارسة احترافية. وكان هو مؤسس “قانون إنجل” الذي ينص على أنه كلما زاد دخل الأسرة، انخفضت نسبة الدخل المنفقة على الطعام. وبالنسبة لمعاصري إنجل الذين كانوا قلقين من الثورات والاشتراكية، كانت هذه النقطة تبعث على الأمل: إنفاق أقل على الطعام يعني إنفاقاً أكثر على التحسين الشخصي والسلام الاجتماعي.
علاوة على كل ذلك، كان المواطنون والرعايا هم من وجدوا مكانتهم بصفتهم مستهلكين. اليوم، تُعرف أواخر القرن التاسع عشر بـ “معابد الاستهلاك” التي ترمز إليها متاجر “بون مارشيه” في فرنسا و”سيلفريدجز” في لندن. وعلى الرغم من أن دور عبادة التجارة هذه لم تكن هي من ابتكر فن التسوق، إلا أنها كانت مهمة في توسيع الواجهة والمساحات العامة للمتسوقين (وخاصة النساء).
والمثير للاهتمام أن ما جمع الناس كمستهلكين لم يكن هذه المعارض المتلألئة، بل بالمعنى الدقيق للكلمة، ما كان يجري تحت الأرض، أي في شبكات الغاز والمياه الواسعة والجديدة. في عام 1871، تأسست في شيفيلد “جمعية مستهلكي المياه” احتجاجاً على ضرائب المياه. بالإضافة إلى ذلك، كانت احتياجات ورغبات الناس نفسها تتغير، وهذا أيضاً وسّع مفاهيم مثل الاستحقاق والحق. في تلك الفترة، اعتاد سكان الطبقة الوسطى في إنجلترا على وجود حمام، ورفضوا دفع تكلفة “إضافية” مقابل مياههم الزائدة. قالوا إن الحمام ليس ترفاً بل ضرورة من ضرورات الحياة، ومن هنا انطلق برنامج مقاطعة من قبل المستهلكين.
تحولت السنوات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى سنوات ذهبية للسياسات الاستهلاكية. وبحلول عام 1910، كانت معظم أسر الطبقة العاملة وربع إجمالي الأسر في إنجلترا أعضاء في تعاونيات استهلاكية. وفي ألمانيا وفرنسا، كان لهذه المجموعات أكثر من مليون عضو. وفي بريطانيا، كانت “رابطة النساء التعاونية” أكبر حركة في تلك الأيام. فالنساء اللواتي نظمن أنفسهن بصفتهن مستهلكات، كان صوتهن يُسمع بشكل أفضل في الفضاء العام وكُن أكثر ظهوراً؛ ففي النهاية كانت “النساء حاملات السلال” (وهو المصطلح الشائع لربات البيوت من الطبقة العاملة) هن المسؤولات عن التسوق.
النساء و صناعة الاستهلاك الأخلاقي: النساء هن من قدن ركب “الاستهلاك الأخلاقي”. فقد ظهرت “عُصب المستهلكين” في نيويورك، وباريس، وأنتويرب، وروما، وبرلين. وفي الولايات المتحدة، تحولت هذه العصبة إلى اتحاد وطني يضم 15 ألف عضو نشط بقيادة فلورنس كيلي؛ وكانت خالتها، العضوة في حركة الكويكرز (Quakers) الدينية، قد أطلقت سابقاً حملة ضد البضائع التي ينتجها العبيد. استخدم هؤلاء المستهلكون من الطبقة الوسطى قوة محافظ نقودهم لاستهداف “الورش التي تستغل العمال” (Sweatshops) ومكافأة تلك الشركات التي توفر ظروف عمل مناسبة والحد الأدنى للأجور.

شرح ناشط ألماني الأمر قائلاً: “المستهلك هو الميقاتي (ضابط الوقت) الذي ينظم العلاقة بين صاحب العمل والموظف”. إذا كانت هذه الساعة تدار بناءً على “الأنانية، والنفعية، والطيش، والجشع، فسيُجبر الآلاف من إخوتنا البشر على العيش في بؤس وحزن”. ولكن في المقابل، إذا فكر المستهلكون في العمال الذين يقفون خلف هذا المنتج، فإنهم يحسنون الرفاهية والانسجام الاجتماعي. بعبارة أخرى، طُلب من المستهلكين أن يكونوا مواطنين مدنيين. أصبح هذا الدور الجديد كمستهلكين ذوي عقلية مدنية سلاحاً قوياً للنساء في معركة الحصول على حق التصويت. وفي بريطانيا، وصلت دعوة “المواطن-المستهلك” هذه إلى ذروتها عشية الحرب العالمية الأولى في شكل حملات شعبية للتجارة الحرة، وانضم الملايين إلى الشوارع والتجمعات دفاعاً عن مصلحة المستهلك باعتبارها مصلحة عامة.
حتى قبل أن تتشكل هذه الحركات، تنبأ العديد من المؤيدين بأن قوة المستهلك ستتقدم باستمرار في القرن العشرين. قال شارل جيد، الاقتصادي السياسي الفرنسي ورائد التعاونيات الاستهلاكية، لطلابه في عام 1898: “القرن التاسع عشر كان قرن المنتجين. لنأمل أن يكون القرن العشرون ملكاً للمستهلكين. ليتهم يجلسون على عرش الحكم!”.
هل تحقق أمل جيد؟ الآن ونحن ننظر إلى الماضي من أوائل القرن الحادي والعشرين، من الحماقة ألا نرى الإنجازات الهائلة في مجال رفاهية المستهلك وحمايته التي حدثت خلال القرن الماضي؛ والتي يرمز إليها مشروع قانون حقوق المستهلك الذي طرحه جون إف كينيدي عام 1962. لم تعد السيارات تنفجر بمجرد اصطدامها. ولا تزال الفضائح والاحتيال الغذائي مستمرة، لكنها مختلفة تماماً عن فضائح المنتجات المقلدة الوبائية التي ابتلي بها الناس في العصر الفيكتوري.
ولا يزال المستهلكون محط اهتمام الأكاديميين: لا يزال الاقتصاديون يناقشون أسئلة مثل: هل يعدل الناس استهلاكهم بمرور الوقت لتحقيق أقصى استفادة من حياتهم؟ هل يعتمد إنفاقهم على توقعاتهم للدخل المستقبلي؟ أم أن مقارنة دخلهم بالآخرين تحدد إنفاقهم بشكل أفضل؟ لا يزال الاستهلاك جزءاً لا يتجزأ من المناهج الدراسية في الكليات، ليس فقط في تخصصات الاقتصاد وإدارة الأعمال، بل في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ أيضاً؛ وإن كانت المجالات الثلاثة الأخيرة تركز على الثقافة والأعراف الاجتماعية والعادات أكثر من تركيزها على الاختيار والإنسان الساعي لتعظيم المنفعة.
اليوم، تتبع الشركات والمسوقون المستهلكين بقدر ما يوجهونهم. إن إدراك الكيفية التي يمكن بها للمنتجات وصيحات الموضة أن توفر الهوية والمتعة والمادة المغذية لأساليب ثقافية جديدة تماماً، قد ثلمت حدة نقد أولئك النقاد المشهورين الذين اعتبروا النزعة الاستهلاكية أمراً يسبب الغباء، أو التجريد من الإنسانية، أو الاغتراب (وكانت هذه الانتقادات لا تزال مكوناً أساسياً في البنية الفكرية للمثقفين حتى الستينيات). لقد خلقت الأجيال الشابة، على وجه الخصوص، ثقافات فرعية خاصة بها: من “المودز والروكرز” (Mods and Rockers) في أوروبا الغربية في الستينيات إلى “قوط لوليتا” (Gothic Lolitas) في اليابان في أيامنا القريبة. لم يعد المستهلك سلبياً فحسب، بل تم الاعتراف بدوره النشط في إضافة القيمة والمعنى لوسائل الإعلام والمنتجات.
ومع ذلك، من نواحٍ أخرى، لا تزال الاقتصادات الحديثة بعيدة كل البعد عن حكم المستهلكين الذي كان في ذهن جيد. تستمر جمعيات وأنشطة المستهلكين، لكنها تفرقت على قضايا مختلفة لدرجة أنها لم تعد تمتلك قوة حملات الإصلاح الاجتماعي التي كانت في أوائل القرن العشرين. على سبيل المثال، توجد اليوم حركات لـ “الطعام البطيء”، والطعام العضوي، والطعام المحلي، والطعام المُعد وفق التجارة العادلة (وحتى طعام الكلاب الأخلاقي).
في الأوقات الصعبة مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، شكلت بعض الدول مجلساً أو وزارة للاستهلاك، لكن السبب كان أن الحكومات كانت لديها مصلحة مؤقتة في تنظيم قوتها الشرائية لأغراض الحرب واستخدام هذه المؤسسات في محاربة المنتفعين والتضخم. وفي أيام السلم، كانت الأسواق ولوبيات الأعمال الصاخبة تعود، وسرعان ما كانت مؤسسات المستهلكين هذه تحزم أمتعتها. لقد حملت دول الرفاه والخدمات الاجتماعية راية العديد من المُثل التي حاربت لأجلها عُصب المستهلكين قبل قرن من الزمان. تمتلك الهند وزارة صغيرة لشؤون المستهلكين، لكن دورها الرئيسي هو التوعية ومحاربة الممارسات غير العادلة. وفي العديد من البلدان الأقل نمواً، لا يزال المستهلكون يمثلون قوة سياسية صاخبة في المعركة حول الوصول إلى المياه والطاقة وأسعار هذه الموارد. لكن اليوم في أغنى دول العالم، ليس للمستهلكين ظهور سياسي منظم يُذكر (هذا إن وجد أصلاً)، ولم يبق الكثير من تلك الحملات الكبيرة قبل أربعة أو خمسة أجيال التي كانت تتولى التمثيل المباشر للمستهلكين. والآن بدلاً من الممثلين السياسيين، أخذت الأسواق والاختيار والمنافسة دور أفضل أصدقاء المستهلك. اليوم، المستهلكون هم في آن واحد أكثر تمكيناً وأكثر عجزاً مما تنبأ به جيد.
اليوم، تسبب تغير المناخ في جعل الدور المستقبلي للاستهلاك محاطاً بهالة من الغموض. في تسعينيات القرن العشرين، ظهرت فكرة الاستهلاك المستدام التي تبنتها الأمم المتحدة في ريو دي جانيرو عام 1992. وكان الأمل معقوداً على أن تُمكّن حوافز الأسعار والتقنيات الأكثر كفاءة المستهلكين من ترك بصمة أقل على الكوكب بأسلوب حياتهم. ومنذ ذلك الحين، تواترت التنبؤات والعناوين التي تتوقع “سقف الاستهلاك” (Peak stuff) ونهاية النزعة الاستهلاكية. يُقال إن الناس في المجتمعات المرفّهة قد ملوا من تملك أشياء كثيرة. وبدلاً من ذلك، يفضلون التجارب أو مستعدون لمشاركة أشيائهم بكل سرور. والنتيجة هي “عدم المادية” (Dematerialization).
مثل هذه التنبؤات مثيرة للاهتمام لكنها تقف عاجزة أمام الأدلة. ففي النهاية، كانت التجارب عاملاً محركاً للجزء الأكبر من الاستهلاك في الماضي أيضاً، أي أشياء مثل المجمعات الترفيهية، والأسواق، ومدن الملاهي. اليوم في الاقتصاد العالمي، ربما ينمو قطاع الخدمات بسرعة أكبر من قطاع السلع، لكن هذا لا يعني أن عدد الحاويات آخذ في التناقص؛ بل العكس تماماً. وبالطبع فإن اقتصاد قطاع الخدمات ليس افتراضياً تماماً ويحتاج إلى موارد مادية. ففي فرنسا عام 2014، قاد الناس سياراتهم لمسافة 32 مليار ميل من أجل مشترياتهم؛ وهذا يعني استهلاك عالم من الإطارات والأسفلت والوقود. وتستحوذ الحوسبة الرقمية والواي فاي (Wi-Fi) على حصة متزايدة من الكهرباء. ومن المحتمل أن منصات مثل “إير بي إن بي” (Airbnb)، التي صُممت للمشاركة، قد تسببت في زيادة وتيرة السفر والرحلات الجوية، لا تقليلها.
علاوة على ذلك، ربما يقول الناس إن ما يمتلكونه قد استنفد طاقتهم أو أصابهم بالاكتئاب؛ لكن في معظم الحالات، لم يدفعهم هذا الشعور لانتهاج حياة أبسط. وهذه ليست مشكلة خاصة بالأمريكيين أو الناطقين بالإنجليزية. ففي عام 2011، اشترى سكان اسكتلندا ملابس ومستلزمات منزلية أكثر بثلاثة أضعاف مما اشتروه قبل 20 عاماً.
إن كيفية تكيف الناس مع عالم يعاني من تغير المناخ (أو في الواقع، ما إذا كانوا سيفعلون ذلك)، هو السؤال المهم للقرن الحادي والعشرين. في عام 1900، كان معظم المصلحين يبحثون عن إجابات لأسئلة تتعلق بالإصلاح الاجتماعي، والمسؤولية الاجتماعية، وتمثيل المستهلكين. يُعد تغير المناخ تحدياً كبيراً ومختلفاً، لكن يمكن تعلم دروس لهذه المسألة أيضاً من التاريخ السابق للمستهلكين. في ذلك الوقت، تم الاعتراف بالمستهلكين كفاعلين مهمين في حل الكوارث الاجتماعية والظلم الاقتصادي. وكان لديهم، بصفتهم مشترين، قدر من النفوذ سواء على جودة أو كمية ما يتم إنتاجه. كما أضاف تنظيم مصالحهم صوتاً مهماً إلى ساحة السياسة العامة. هذه استنتاجات ورؤى قيمة: قد لا تكون الإجابة على كل الأسئلة بيد المستهلكين، لكن لا ينبغي التعامل معهم كمجرد مشترين منفردين ومعزولين في السوق.
الهوامش:
– كتب هذه المقالة فرانك ترينتمان، ونُشرت على موقع مجلة أتلانتيك بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بعنوان “كيف أصبح البشر ‘مستهلكين’: تاريخ”. ونشرها موقع المترجم بتاريخ 18 أغسطس/آب 2018 بعنوان “تاريخ تحوّل البشر إلى ‘مستهلكين'”، وترجمها محمد معماريان.
– فرانك ترينتمان أستاذ تاريخ في جامعة لندن، ويُركز بحثه الرئيسي على دراسات الاستهلاك. صدر أحدث كتبه، “إمبراطورية الأشياء”، عام 2016.
[۱] The Theory of Moral Sentiments
[۲] luxus
[۳] luxuria
[۴] consumer
[۵] consummare
[۶] Consummatum est
[۷] Treatise on Political Economy
[۸] Theory of Political Economy
[۹] Marginal
[۱۰] Airbnb
⦁ رابط المقال: https://tarjomaan.com/
No Comment! Be the first one.