
الطائفية في الهند لم تنتهي :
انتهت الحركة الهندية ضد الاستعمار البريطاني بالنصر، لكن القمع، وعدم المساواة، والفقر لم تنتهِ. لقد أُلغي نظام الطوائف (الكاست) قانونياً، لكن ثقافة الناس لم تتخلَّ عنه؛ بل في الواقع، ما زالت متمسكة به حتى الآن. سوجاتا جيدلا، وهي امرأة هندية ولدت في عائلة من “المنبوذين” (النجس)، تعرف هذا أفضل من أي شخص آخر. تروي في كتابها المذهل قصة أناس أفنوا أعمارهم في سبيل المساواة، لكنهم أدركوا أنهم مجرد نمل وسط الفيلة.
سوجاتا جيدلا، بوسطن ريفيو (Boston Review) —
لم تكن قصصي وقصص عائلتي قصصاً عن الهند. لقد كانت هي الحياة ذاتها.
الأحداث التي مرت بها عائلتي والأشياء التي فعلناها تحولت، بعد أن غادرت الهند ووجدت أصدقاء جدداً في البلد الجديد، إلى قصص تستحق أن تُروى وتُكتب.
ولدتُ في جنوب الهند في مدينة تدعى “كازيبت” في ولاية “أندرا براديش”، لعائلة من الطبقة المتوسطة الدنيا. كان والداي أستاذين جامعيين.
لقد ولدتُ “منبوذةً” (نجسة).
عندما يسألونني في الولايات المتحدة عما يعنيه أن يكون المرء “منبوذاً”، أوضح أن نظام الطوائف (الكاست – Caste) يشبه العنصرية ضد السود في أمريكا. لكنهم يسألون بعد ذلك: “كيف يميز أحدهم طائفتك؟” لأن الطائفة ليست مثل لون البشرة بحيث تكون ظاهرة للعيان.
عندئذ أشرح الأمر كالتالي: في القرى والمدن الهندية، الجميع يعرفون بعضهم بعضاً. كل طائفة لها قوانين خاصة وتعيش في منطقتها المحددة. البراهمة (الذين يؤدون وظائف رجال الدين)، وصانعو الفخار، والحدادون، والنجارون، وغاسلو الملابس، وإلى آخره؛ كل مجموعة تسكن في منطقة منفصلة من القرية. أما المنبوذون، فدورهم الأساسي – وظيفتهم المتوارثة – هو العمل في أراضي الآخرين أو القيام بالأعمال التي يعتبرها الهندوس وضيعة ودونية. لا يُسمح لهم مطلقاً بالعيش داخل القرية، بل يجب عليهم السكن خارج الحدود المحددة للقرية. لا يُسمح لهم بدخول المعابد. لا يُسمح لهم بالاقتراب من مصادر مياه الشرب الخاصة بالطبقات الأخرى. لا يُسمح لهم بتناول الطعام بجانب أعضاء الطائفة الهندوسية أو استخدام الأواني نفسها. وهناك آلاف القيود والإهانات الأخرى من هذا النوع، والتي تختلف باختلاف الأماكن. كل يوم، تطالعك الصحف الهندية بأخبار عن تعرض شخص منبوذ للضرب أو القتل بسبب ارتدائه صندلاً أو ركوبه دراجة هوائية.
في مدينتك أو قريتك، الجميع يعرف طائفتك، ولا مفر من ذلك. ولكن عندما تذهب إلى مكان آخر لا يعرفك فيه أحد، كيف يعرف الناس طائفتك؟ هناك يسألونك: “من أي طائفة أنت؟”. لا يمكنك منع هذا السؤال أو التهرب من الإجابة عليه. وفقاً للتقاليد، من حق أي شخص أن يعرف طائفة الشخص الآخر.
إذا كنتَ متعلماً مثلي ولا تبدو مثل “المنبوذ” التقليدي، فإن أمامك خياراً: إما أن تقول الحقيقة وتتعرض للنبذ، أو السخرية، أو العنف – وقد يصل الأمر حد الانتحار، كما يحدث مراراً في الجامعات – أو يمكنك أن تكذب. وإذا لم يصدقوا كلامك، فسيحاولون اكتشاف طائفتك الحقيقية بطرق أخرى. قد يطرحون عليك أسئلة محددة: “هل ركب شقيقك حصاناً في حفل زفافه؟ هل ارتدت زوجته ساري أحمر أم أبيض؟ كيف ربطت الساري؟ هل تأكلون لحم البقر؟ من هو إله عائلتكم؟”. وقد يستفسرون حتى من أهالي مسقط رأسك عن طائفتك.
إذا صدّقوا كذبتك، فلن تتمكن أبداً بعد ذلك من سرد قصصك وقصص عائلتك لهم. لا يمكنك الحديث عن حياتك. لأن هذا سيكشف طائفتك. فحياتك هي طائفتك، وطائفتك هي حياتك.
سواء عرفوا الحقيقة أم لا، فإن حياتك في طبقة المنبوذين ليست شيئاً يمكنك الحديث عنه أبداً.
كان الوضع بالنسبة لي يجري على هذا المنوال في البنجاب، ودلهي، ومومباي، وبنغالور، ومدراس، ووارنغال، وكانبور، وكلكتا.
جئت إلى أمريكا في السادسة والعشرين من عمري، حيث لا يعرف الناس سوى لون البشرة لا مكانة المولد. هنا، يحب البعض الهنود ويكرههم البعض الآخر، لكن الطائفة لا تؤثر في مشاعرهم. ذات مرة، أخبرت شاباً في حانة في أتلانتا أنني ولدت “منبوذة” (Untouchable – أي غير قابلة للمس)، فقال: “لكنكِ ملموسة للغاية”.
من خلال الحديث مع الأصدقاء الذين تعرفت عليهم هنا، أدركت أن قصصي، وقصص عائلتي، ليست قصصاً مخزية.
ساتيامورتي الثوري :كان عمي ساتيامورتي، المعروف أيضاً بـ “إس. إم” أو “ساتيام”، في أوائل السبعينيات من المؤسسين الرئيسيين لمجموعة ملوية (ماوية) وصفتها الحكومة مؤخراً بأنها أكبر تهديد لأمن الهند. لكن قصة صحوته السياسية بدأت قبل ذلك بكثير، حين كانت الهند لا تزال مستعمرة بريطانية.
في أغسطس 1942، طالب غاندي بـ “خروج البريطانيين من الهند”. كان الزعيم الرئيسي للنضال القومي لأكثر من عقدين، لكنه لم يتبنَّ طوال تلك الفترة لهجة عدائية كهذه.
في ذلك الوقت، بدا أن كل هذا الكلام سيؤدي أخيراً إلى نتيجة. كان ساتيام حينها في الحادية عشرة من عمره، وكان يتابع الأحداث وانجذب إلى الحركة القومية. حكمت بريطانيا بلاده لأكثر من مائتي عام ونهبت ثرواتها الهائلة. وكان من الطبيعي أن يغير التحرر من ذلك الحكم كل شيء، بما في ذلك وضع عائلته. كان قد سمع أن الأسياد البيض يعيشون في منازل “البنغالو” (Bungalow)، ويقطعون خبزهم بالسكين ليأكلوه، ويمسحون حول أفواههم بقطعة قماش نظيفة. فإذا رحل هؤلاء، سيتمكن جميع الهنود بلا شك من العيش بالطريقة نفسها.
دعا غاندي إلى “نضال مفتوح” لدعم مطالبه. وكان الشعب الهندي ينتظر مثل هذا النداء. لكنهم لم يكترثوا لاستراتيجيات غاندي الرامية لاستمرار النزاع دون عنف. فعندما أطلقت القوات البريطانية النار على المتظاهرين، قاتل هؤلاء في المقابل. هاجم المناضلون الشباب مراكز الشرطة، وقطعوا خطوط الهاتف، وأحرقوا مكاتب البريد، وأخرجوا القطارات التي تحمل المعدات الحربية عن مسارها.
تمنى ساتيام أن يكون له دور في هذه الأعمال الثورية. طرق كل الأبواب ليعثر على أثر لأولئك الأبطال الشجعان، ولكن للأسف، في غضون أربع وعشرين ساعة من خطاب غاندي، تم اعتقال جميع مؤيديه المعروفين.
أدان غاندي، الذي كان هو نفسه في السجن، أعمال التخريب. كان يعول على المقاومة الجماعية لإضعاف قوة القوات البريطانية وإقناعها بتسليم السلطة للنخبة المحلية. ما لم يكن يريده إطلاقاً هو أن تتسلح الجماهير بنفسها وتستولي على السلطة.
عندما ألغى غاندي حركة “غادروا الهند” (Quit India movement)، فقدَ ساتيام الاحترام الذي كان يكنه له. كان ساتيام يحلم بأن يلعب دوراً من خلال هجماته الخاصة ضد الإمبراطورية. أحياناً كان يشعر أن روح “بهاجات سينغ”، الشهيد الثوري المناهض للرأسمالية الذي شنقه البريطانيون، قد تلبست جسده. كان ساتيام يكتب شعار “غادروا الهند” في المباني المهجورة، ويمشي بتحدٍ على مسارات السكك الحديدية، التي كان الاقتراب منها ممنوعاً في تلك الأيام خشية التخريب.
ورغم خيبة أمله في غاندي، فإنه لم ينجذب أيضاً إلى منافسيه الرئيسيين، أي الشيوعيين، لأنهم لم ينضموا إلى حركة “غادروا الهند”. سأل ساتيام جاره الشيوعي عن سبب ذلك، فأجاب الصبي:
– “علينا أن ندعم بريطانيا في الحرب لأنها متحالفة مع الاتحاد السوفيتي”. – “ولكن لماذا يجب أن نهتم بالاتحاد السوفيتي؟” – “لأن الاتحاد السوفيتي هو بلد لجميع فقراء العالم”.
لكن ساتيام لم يقتنع. كانت عائلته وجميع جيرانهم فقراء. وبسبب هذا الفقر توفيت والدته وتخلى عنهم والده. كان الجميع يقولون إن الأسياد البيض نهبوا ثروات الهند وأغرقوا البلاد في الفقر.
كان ساتيام يؤيد حزب المؤتمر، الحزب السياسي المتحالف مع غاندي في طليعة الحركة القومية، لأنه كان يعارض بريطانيا. لكن بطله لم يكن غاندي، بل “سوبهاش شاندرا بوس” الذي كان يقود الجناح المتشدد في المؤتمر. فعلى عكس غاندي، كان بوس يعتقد أن الضغط على البريطانيين لن يجعلهم يغادرون الهند طواعية، بل يجب طردهم بالقوة من البلاد. ولهذا الغرض، طلب المساعدة من المنافسين الرأسماليين لبريطانيا، أي ألمانيا النازية واليابان. وشكل جيشاً في سنغافورة – الجيش الوطني الهندي – لتحرير شبه القارة. لكنه لقي حتفه في حادث تحطم طائرة قبل أن ينفذ خططه. ومع ذلك، ظل دائماً بمثابة معبود للجماهير الهندية المتمردة.
اشترى ساتيام صورة لبوس، كانت تُنتج بكميات كبيرة، بسعر زهيد من السوق. وفي إحدى الليالي، تسلل ساتيام وصديقه “كاري” إلى مدرسة ساتيام وعلقا صورة بوس على سبورة الصف. كانت تلك أول عملية ثورية يقوم بها ساتيام.
في صباح اليوم التالي، سأل معلمهم عمن المسؤول عن هذا العمل. التزم ساتيام الصمت. قال المعلم: “أياً كان من فعل هذا، تحية له! أنا فخور بأنني معلمكم”. في تلك الحقبة، كان حتى معلمو المدارس الحكومية شجعاناً بما يكفي للتعبير عن مشاعرهم القومية.
أجبر قمع حركة “غادروا الهند” نشطاء حزب المؤتمر على العمل في الخفاء. استغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يتمكن ساتيام من العثور عليهم. وأخيراً، التقى بأحدهم عن طريق الصدفة البحتة.
بما أن طائفة الحلاقين لم تكن تلمس شعر المنبوذين، كان ساتيام يذهب لقص شعره عند “حلاق مسيحي”. لم يكن المسيحيون حلاقين محترفين ولم يمتلكوا أدوات مناسبة. لقد تعلموا الحلاقة من المبشرين لخدمة المنبوذين، وكانوا يقصون الشعر مجاناً فقط في أوقات فراغهم. سئم ساتيام من سخرية زملائه في الفصل بسبب قصة شعره السيئة.
أصر أحد أصدقائه في المدرسة، وكان من إحدى الطوائف (Caste Hindus)، على أن يأخذه إلى حلاقه الخاص “فيراسوامي”. كان فيراسوامي قومياً متحمساً يعتقد أن جميع الهنود، سواء من الطوائف العليا أو الدنيا، يجب أن يتحدوا ويقاتلوا البريطانيين. وأخيراً، تمكن ساتيام من رؤية مناضل حقيقي. كان فيراسوامي، إلى جانب قص شعر ساتيام، يعطيه دروساً في السياسة ويوفر له مصادر دراساته الثورية. ورغم صغر سن ساتيام، كان فيراسوامي يتحدث معه بجدية ويعرفه على الأشخاص ذوي التفكير المماثل الذين كانوا يجتمعون في دكانه.
ما بعد الحرب سلام ام حرب اخرى :بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وصل حزب العمال إلى السلطة في بريطانيا. أدركت الحكومة الجديدة أنه لم يعد بالإمكان مواصلة الحكم الاستعماري المباشر على شبه القارة الهندية. وكان الأمل الأكبر في الحفاظ على المصالح البريطانية يكمن في نقل السلطة إلى حزب المؤتمر. تم إطلاق سراح السجناء السياسيين الذين اعتقلوا خلال اضطرابات “غادروا الهند” (باستثناء الشيوعيين)، وأُعلن عن إجراء انتخابات في المقاطعات لتشكيل حكومات وطنية. وإلى أن يحين ذلك الوقت، كان من المقرر أن يتولى نائب الملك البريطاني السلطة في المركز.
أثناء التحضير لهذه الانتخابات، أجرى حزب المؤتمر انتخاباته الخاصة لقيادة الحزب. انتُخب ساتيام، الذي كان يبلغ من العمر 14 عاماً آنذاك، أميناً للصندوق في “مؤتمر الشباب” بمدينة جوديفادا. كان المنبوذ الوحيد الذي حصل على منصب في لجنة المدينة.
كانت جدته قد اشترت مؤخراً منزلاً في منطقة استيطان المنبوذين في “سلاتر بيتا”. وعندما كان أصدقاؤه في حزب المؤتمر يذهبون لزيارته في منزلهم، كانت جدته تناديه بفخر “جواهر لال خاصتنا” (تيمناً بجواهر لال نهرو). أصبح بالنسبة لإخوته وأخواته بمثابة معبود يتباهون به أمام أصدقائهم ويقلدون كل آرائه.
في السنة الأخيرة من المدرسة الثانوية، قاد ساتيام إضراباً طلابياً. طالب المضربون بإلغاء “نظام الحجز” (Detention System)، الذي كان يفرض على الطلاب الخريجين اجتياز امتحان في مدارسهم قبل شهرين من المشاركة في الامتحانات النهائية العامة. كانت هذه الطريقة تُعتبر غير عادلة وظالمة في نظر الطلاب وأوليائهم. وعندما اتسعت المعارضة لهذا النظام في جميع أنحاء البلاد، قاد ساتيام الاحتجاجات في جوديفادا. أضفى على هذه الإضرابات صبغة سياسية وحولها إلى احتجاج ضد الحكم الإنجليزي.
سرق الزي العسكري الخاص بوالده وألبسه لدمية من القش ترمز للرأسمالية، وأحرقها الطلاب في وسط المدينة. استمرت هذه الإضرابات لمدة شهر حتى استسلمت الحكومة وألغت نظام الحجز. كانت تلك علامة على أن الهيكل الاستعماري الماضي آخذ في الانهيار.
أخيراً، حل منتصف ليل 15 أغسطس 1947، اليوم الذي عاش ساتيام السنوات الخمس الماضية يحلم به: يوم استقلال الهند. لم يستطع إغماض عينيه تلك الليلة. في الصباح، غسل رأسه ووجهه بعناية وارتدى أفضل ملابسه. غادر غرفته مبكراً جداً، فلم يكن يريد أن يفوته شيء من المراسم. انضم طلاب الكليات من جميع أنحاء المنطقة إلى آلاف العمال الحضريين وتجمعوا في الحرم الجامعي للمشاركة في الاحتفال. كانت الحشود تتدفق مثل تيار النهر في أيام الرياح الموسمية.
كان الطلاب والعمال يغنون بصوت واحد جنباً إلى جنب: عالم مختلف، عالم مختلف، ينادينا.
عندما بدأ ساتيام بالغناء مع الجمع، اغرورقت عيناه بالدموع. لقد انتهى الحكم البريطاني، لكن الاستقلال الحقيقي كان لا يزال أمامه طريق طويل. فكر في نفسه: “إنهم يرحلون، لكننا نحن من يجب أن يبني هذا البلد”.
تحدث السياسيون والمثقفون وقادة النقابات العمالية جميعهم في خطاباتهم عن “بهافي بهاراتا بورولو” (Bhavi Bharata Pourulu)، أي “مواطني الهند المستقبلية”. من هم هؤلاء المواطنون؟ ساتيام نفسه، والشباب مثله.
استمر الاحتفال طوال اليوم. وبينما كان ساتيام يشاهد الرقصات والمسرحيات والمسابقات، أدرك أنه وسط زحام الطلاب، لا يعرف ولو شخصاً واحداً جيداً ليتحدث معه. كان الجميع يرتدون أفضل ملابسه، وكم كان الفرق كبيراً بين

“أفضل ما لديه” و”أفضل ما لدى الآخرين”. كانت الفتيات يرتدين الساري الجميل، والفتيان يرتدون جميعاً قمصاناً وسراويل غربية أنيقة. أما ساتيام بينهم، بقميصه القطني الأبيض التقليدي (لالشي) وسرواله، فبدا وكأنه نسيج وحده.
في الأسابيع الماضية، كان يعمل ليل نهار جنباً إلى جنب مع الطلاب الآخرين لتجهيز مستلزمات الاحتفال. في تلك الأيام لم يشعر بهذه الوحدة إطلاقاً. والآن وقد هُزم العدو المشترك، بدأت الفروق بينه وبين الطلاب الآخرين تظهر للعيان مجدداً. أدرك أنه لم يُسند إليه أي دور في تنفيذ أي من البرامج.
استمر الاحتفال والرقص حتى بعد الظهر. كان ضمن البرنامج مسابقة للأزياء التنكرية. فازت بالجائزة الأولى فتاة ترتدي زي قبيلة “لامبادي”. اللامباديون هم قبيلة محرومة في أندرا تتميز أزياؤهم التقليدية بأنها ملونة للغاية ومبهرجة. ذهبت الفائزة بالمسابقة، وهي ابنة مدللة لعائلة هندوسية ثرية، لاستلام جائزتها وسط تصفيق الحضور. وفي تلك الأثناء، سأل ساتيام نفسه: “هل كان من الممكن أن تحظى امرأة لامبادية حقيقية بكل هذا الإعجاب؟”.
وبينما كان مشغولاً بمشاهدة البرنامج، اقترب منه فتى قصير القامة وممتلئ الجسم وعرّف بنفسه. لم يكن ساتيام قد رآه من قبل قط. طرح على ساتيام سؤالاً غريباً لم يجد له إجابة: “هل تعتقد أن هذا الاستقلال هو لأناس مثلي ومثلك؟”.
بعد بضع سنوات، التحق ساتيام بكلية “إيه سي” (A.C. College) المرموقة في جونتور. ولكن عندما أغرقت ديون والده المتراكمة العائلة في فقر مدقع، لم يعد ساتيام قادراً على دفع تكاليف دراسته. كان في وضع مؤلم. لم يكن لديه معارف لا في كلية “إيه سي” ولا في مدينة جونتور ليطلب منهم المساعدة. لم يدفع تكاليف الطعام لشهر يوليو. أُعطي مهلة شهر واحد، ولكن لأنه لم يتمكن من سداد تكاليف الشهر التالي أيضاً، أدرجت الإدارة اسمه في قائمة الطلاب المتخلفين عن الدفع وعلقت القائمة عند مدخل صالة طعام الطلاب ليراها الجميع. وحتى لا يواجه زملاءه، كان يذهب إلى هناك قبل إغلاق صالة الطعام بقليل، بعد أن يكون الجميع قد غادروا. وحتى في ذلك الوقت، كان المدير يرمقه بنظرة تقول: “لا تدفع ثمن الطعام ثم تأتي لتأكل؟”. كان ساتيام يفوت وجباته قدر الإمكان لكيلا يذهب إلى هناك.
لم يكن الفقر أمراً جديداً عليه. لقد عاش حياته كلها في فقر. في “سلاتر بيتا”، لم يكن هناك فرق كبير بين عائلته وبقية عائلات طبقة المنبوذين. كانوا جميعاً نملاً. لم يكن يفرق كثيراً إن كان أحدهم أكبر قليلاً من الآخرين. لكن هنا في كلية “إيه سي”، كان ساتيام نملة وسط الفيلة.
لم تكن ظروف أي طالب مثله. كان يعاني من الجوع، لكنه كان يعاني أكثر من الوحدة والشعور بالعار.
أصبح ساتيام الآن وحيداً في مدينة غريبة، وليس لديه من يساعده. لقد أخطأت عائلته بإرساله إلى كلية “إيه سي”. كانوا طماعين وأرادوا أكثر من طاقتهم.
كان ساتيام يشعر بالخجل من أن زملاءه قد رأوا اسمه عند مدخل صالة الطعام. لم يكن لديه أي مال لشراء الكتب أو الأشرطة الدراسية أو دفع رسوم الفصل والامتحانات. لم يستطع توفير الزي الرسمي الذي كان الطلاب ملزمين بارتدائه، أي القميص والسروال. انقطع حزام صندله، فوصله بدبوس أمان، لكنه كان ينفلت باستمرار. وهكذا، توقف عن حضور الفصول الدراسية.
أفضل ما كان يمكنه فعله هو الذهاب إلى مكتبة الكلية وقراءة الصحف. لم يكن لدى ساتيام اهتمام خاص بالأدب التيلوجو (Telugu literature). قرأ نماذج منه في الكتب المدرسية الثانوية ووجدها مملة. كان الشعر الكلاسيكي التيلوجو ينقسم إلى فئتين: “البورانا” (قصائد أسطورية في مدح الآلهة) و”البراباندا” (قصائد بلاطية في مدح الحكام). كُتبت هذه القصائد بلغة رسمية جداً وكانت متأثرة للغاية باللغة السنسكريتية، وكانت غير مفهومة تماماً بالنسبة لمعظم المتحدثين بالتيلوجو، بمن فيهم ساتيام.
أثناء تصفح رفوف الكتب في مكتبة كلية “إيه سي”، اكتشف ساتيام نوعاً جديداً من الشعر لم يكن عن الآلهة ولا عن الحكام. كان موضوع هذه القصائد الناس العاديين والحياة المعاصرة. كانت الأبيات متحررة من القواعد المعقدة والصارمة للأوزان الشعرية التي كانت موجودة في الأشكال القديمة. كانت لغة الشعر هي التيلوجو العامية الحديثة، وكانت سهلة الفهم، ومع ذلك كان لها جمالها الخاص. قرأ ساتيام كتاب “رواد العصر الجديد” (Pioneers of the New Age)، وهو مختارات أدبية من عمل “مودو كريشنودو”. كان هذا العمل، الذي يضم مختارات من الشعر التيلوجو الحديث، أول مختارات أدبية يقرأها حتى ذلك الحين.
كانت معظم تلك القصائد رومانسية. وبقراءة هذه القصائد، تحركت مشاعر جديدة داخل ساتيام.
قرأ كل تلك القصائد الحديثة، قصائد لجاشوا، وديفولابالي، وناندوري، وتريبورانيني، وكاروناسري، وجوراجادا. كان هؤلاء الشعراء، الذين عثر عليهم بالصدفة، رواداً لحركة سُميت “الأدب الجديد”. عندما كان الأساتذة يلقون محاضراتهم في الطابق السفلي والطلاب يدرسون، كان ساتيام يطالع في المكتبة. قرأ كتاب “اليسار واليمين”. وتعلم أن يختبئ في المكتبة عندما تغلق ليلاً، وأحياناً كان ينام هناك.
يُعد جوراجادا أب حركة الأدب الجديد. وأشهر قصائده هي “أحبب وطنك” التي نظمها عام 1910. كان لبيتين من هذه القصيدة تأثير عميق على الوعي السياسي للناطقين بالتيلوجو:
الوطن ليس تراباً. الوطن هو الناس.
بيتان بسيطان وفي الوقت نفسه قويان للغاية. وكأن جوراجادا كان يشرح للحشود الغفيرة التي كان الوطن مفهوماً جديداً ومجرداً بالنسبة لها، ماهية الأمة. لم يفارق هذان البيتان ساتيام أينما ذهب.
كان ساتيام يستعد لبدء نضال آخر.
المراجع: هذا المقال مقتطف من كتاب “النمل بين الأفيال” للكاتبة سوجاثا جيدلا، والذي نُشر على موقع “بوسطن ريفيو” بتاريخ 18 يوليو/تموز 2017 تحت عنوان “النمل بين الأفيال”. ثم نُشر على موقع الترجمة بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول 2018 تحت عنوان “وُلدتُ شخصًا غير طاهر” بترجمة عرفان محابي. وُلدت سوجاثا جيدلا في عائلة غير طاهرة في ولاية أندرا براديش الهندية. درست الفيزياء في كلية الهندسة الإقليمية في وارانغال. حقق كتابها “النمل بين الأفيال” نجاحًا باهرًا، وتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في أمريكا لأسابيع. تعيش جيدلا حاليًا في نيويورك وتعمل في مترو الأنفاق.
⦁ رابط المقال: ⦁ https://tarjomaan.com

No Comment! Be the first one.